ملتقي اهل اللغه (صفحة 2657)

أقول:ما سماه الشارح تحقيقا ليس كذلك عند تأمله .. فقوله ان المجاز لا يتوقف على الحقيقة فإن كان يقصد أن المجاز يتأسس من غير اعتبار مسبق للمعنى الحقيقي فهذا واضح البطلان، وإن كان يقصد أن الاستعمال المجازي غير مشروط باستعمال حقيقي سابق عليه-وهو مراده-فهذا لا ينفعه، لضرورة أن المعنى الحقيقي قد حدده الواضع عند الوضع وهو واجب الاعتبار في أي تجوز، فلا تأثير للاستعمال أو لعدمه ... فضلا عن صعوبة تصور الواضع يضع لفظا لا يحتاج إليه ... فيظل دهرا مهملا حتى يظهر في استعمال مجازي لعمرى ما أشبه هذا بطفرة النظام!!

أما استشهاده باسم الرحمن فهومردود من أربعة وجوه:

-الأول: في تعبير الدسوقي شيء من "التدليس المنهجي" ففوله "ألا ترى أن" يشعر أن الشاهد متفرع عن القاعدة، ومفسر على مقتضاها، لكن التحقيق أن القاعدة وضعت على مقاس الشاهد .. بيانه:أن البلاغيين انطلقوا من قواعد عقلية كلامية –لا بلاغية-سابقة النصوص، فأولوا بموجبها اسم" الرحمن" .. فلما أدركوا أن صنيعهم هذا سيفضي إلى منكر من القول وهو وقوع "مجاز لا حقيقة له" اضطروا إلى صياغة تلك القاعدة الفرعية لتمرير تأويلهم لاسم الرحمن .. فتناقلوا بينهم أن الحقيقة ليست شرطا للمجاز بدليل اسم الرحمن ... مع أن قاعدتهم هذا اختلقت اختلاقا لذلك الشاهد بعينه فيكون الشاهد أصلا والقاعدة فرعا،فلا يجوز في الاستدلال أن يشهد الأصل للفرع لحصول الحاصل أو للدور ..

ولعل أخطر ما في هذا الصنيع المنهجي هو التشكيك في استقلالية علم البلاغة ... فيحق لنا أن نسأل:هل وضعت البلاغة لخدمة النص أم لخدمة علم الكلام!! وقد ثبت عندنا أنه في كل تعارض بين علم الكلام والقرآن تكون البلاغة منحازة إلى صف علم الكلام، ونحن نقول مطمئنين إن البلاغة هي الجناح اللغوي لعلم الكلام ... فالمعاني يخترعها الجناح العقلي وتروج في لباس من علم البلاغة للإيهام أن علم الكلام موافق للسان العرب!!! فتامل!

هذا، ومما يدل على صحة رأينا أن اسم" الرحمن" هو الشاهد اليتيم على قاعدتهم .. ولا يستطيعون أن يأتوا بشاهد آخر بسبب الاعتراض الثالث كما يأتي.

-الثاني:لا نسلم زعم البلاغيين أن اسم الرحمن وضع لمعنى أصلي حقيقي هو"رقيق القلب" فيكون الوضع من قسم وضع العام للعام لجواز أن يكون من وضع الخاص للخاص فلا مجاز حينئذ لمواطأة المعنى الوضعي للمعنى المستعمل فيه.

-الثالث:سلمنا معكم " ثبوت" اللفظ الذي يستعمل مجازا دون أن يستعمل حقيقة ولو لمرة ... لكن ما سبيلكم إلى "إثباته" لأن اللغة مأخوذة من مستعمل الناس في أشعارها وأمثالها وحكمها ومخاطباتها ... فكيف وصلت كلمة غير مستعملة إلى المتجوز ليتجوز فيها ... !!

-الرابع:يلزم عن مذهبهم أن واضع اللغة غير حكيم يضع ألفاظا لا يحتاج إليها فهذا عبث ... فإن قالوا وضعها للاستعمال المجازي قلنا إن الواضع المزعوم لا شأن له بالاستعمال فدوره ينحصر في تعيين اللفظ للمعنى فقط ولا يشترط خصوصية الاستعمال ... مثل البنك المركزي يعين قيمة للورقة النقدية ولا يشترط فيها أن يشترى بها لحم أو يتصدق بها على فقير.

أما قول البيانيين أن الألفاظ قبل الاستعمال ليست حقيقة ولا مجازا فلا يخلو من ضعف .. لانهم يزعمون أن الواضع يضع اللفظ لمعنى فإن استعمل فيه فهو حقيقة وإن استعمل في غيره فهو مجاز ... فلا يسعهم أن ينكروا أن للفظ دلالة ما قبل الاستعمال .... فيسألون عن نوع هذه الدلالة إن لم تكن حقيقة أو مجازا، وكيف يسمونهاا!

هب لفظ "أسد" لم يستعمله مستعمل .. وقد وضعه الواضع من قبل للحيوان المعروف .. فالبيانيون يقولون إن استعمل للدلالة على هذا الحيوان فهو حقيقة وإن لم يستعمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازا ...

والحقيقة عندهم هو اللفظ المستعمل في معناه الحقيقي أي الوضعي .. ثم يتناقضون عندما يقولون إن المعنى الوضعي ليس حقيقة ولا مجازا!!!

هنا –على سبيل التنزل-خمسة احتمالات:

-أن لا يكون للفظ معنى قبل الاستعمال ..

-أن يكون له معنى حقيقي

-أن يكون له معنى مجازي

-أن يكون له معنى هو حقيقة ومجاز في آن واحد

-أن يكون له معنى كامن محايد يظهره الاستعمال تارة حقيقة وتارة مجاز.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015