ملتقي اهل اللغه (صفحة 2658)

لا يستقيم أي احتمال على أصول البيانيين .. فالاول والرابع لا يقولهما احد من البيانيين .. والثاني والثالث يتنافيان مع قاعدتهم في أن الحقيقة والمجاز من عوارض الاستعمال، أما الاحتمال الاخير فهو من أقوال منكري المجاز لا مثبتيه .. ومعناه إستبعاد الدلالة الوضعية لكونها غيبا كما هو مذهب ابن تيمية وإرجاع الدلالة كلها إلى السياق وإنكار وجود أي معنى قبله-كما هو مذهب فتجنشتين وابن تيمية أيضا-

ب-

فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ

حجم الاختلاف هنا- في إثبات المجاز أو نفيه- يتجاوز مجال البلاغة ليصل إلى عمق الميتافزيقا ... ! وما الحديث عن المجاز إلا فرعا عن رؤية أصلية لهذا العالم الذي ننتمي إليه:

فنفي الإرادة عن الجدار يقتضي مذهبا "ما ورائيا" مبنيا على رؤية منطقية أرسطية تقسم العالم إلى ثنائيات حادة لا يمكن أن تتقاطع في أي نقطة مفترضة بحسب مبدأ الثالث المرفوع:

فالعاقل في مقابل غير العاقل ...

والحي في مقابل الجامد ..

ولكل كيان مقوماته المميزة، فالإرادة من شأن الحي ولا يمكن أن تكون في الجماد -جدار مثلا-.والناطقية من صفات الحي العاقل ولا يمكن أن تكون في حي غير عاقل ...

وأي تداخل بين المقولات إما أن يكون هرطقة عقلية وإما أن يذهب العالم الأرسطي هباء منثورا .. (وهذا الترديد نفسه أرسطي المشرب (إما وإما) أَما الثالث فقد رفع إلى الأبد!)

وإزاء هذا التصور الحاد للعالم يقف تصور آخر أقل صرامة وأكثر مرونة .. لا يصدمه أن يكون في غير العاقل عقل وفي غير الحي حس .. !

وأرى أن المقام هنا يقتضي تعجيلا بتنبيه:

فنحن لا نقصد بالتصور الثاني الرؤية الصوفية للعالم في تماثل الكائن الأصغر والكائن الأكبر،ولا النزعة الرومنطيقية عند الشعراء في أنسنة الأشياء، وإنما نقصد التوصيف الشرعي للعالم انطلاقا من الكتاب والسنة فقط:

-"حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ {18} "

ألم تقوض هذه النملة "الفصل" في ماهية الإنسان عند المنطقيين!

الانسان حيوان ناطق ..

النملة حيوان ناطق

النملة إنسان إذن!!!

من ساءته النتيجة اللازمة فلا مخرج له إلا الطعن في إحدى المقدمتين ... ولعل الأوْلى أن يكون الطعن في الأُولى، ولا يجوز لمؤمن أن يحوم حول الثانية لأن الثانية بها قد نطق القرآن ... !!

ومما يزيد طين المسألة بلة أن الاستنجاد بالمجاز في هذا المقام هروب ركيك .. ففي كلام النملة من التفصيل (وقد أحصى القوم ضمنه من البلاغة وجوها ذوات عدد ..) ومن تقرير المعانى ما يجعل العاقل غير ملتفت لمن يقول شبه الحال بلسان القال!

وهاهنا أمر آخر يقطع دابر المجاز،وهو قول سليمان بعد ذلك: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا ..

وقد تقرر عند البيانيين أن التكرير يرفع المجاز: قَالَتْ نَمْلَةٌ ... فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا ..

فهو قول حقيقي إذن يستفاد من هذا الموضع ... ولا حاجة لنا إلى شهادة علماء العصرمثل (كارل فون فريش) وغيره ...

-فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ {22}

هذا كلام آخر للهدهد بعد النملة ...

أما التذرع بخرق العادة فسيأتيك نبؤه بعد حين ..

- {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]

تكلمت السماء والأرض كما تكلمت بنتا شيخ مدين:

قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} القصص23

ولم تأت في القرآن صيغة "قالتا" إلا في هذين الموضعين ..

فإن قالوا مجاز جادلناهم بقول النملة .. فإن ارتقاء الحي غير العاقل إلى رتبة الناطق العاقل ليمهد الطريق لكي يرتقي الجماد إلى رتبة الحي .. بل هنا أمور أخرى فضلا عن النطق ... من وعي وخشوع وإشفاق وحنين وبكاء وطاعة وسمع وإباء وخشية وترجيع ..

- {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29]

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015