ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[25 - 08 - 2010, 05:06 م]ـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد
فإن الكلام على المجاز في هذه الآية سيكون في مقامين:
-الأول، مبني على رأي الشيخ الشنقيطي ... في تعليله لإنكار المجاز في هذا الموضع ..
- الثاني مبني على تحليل الإمام ابن قتيبة لفعل" يريد" في كتابه مشكل القرآن ..
-1 -
قال الشيخ الأمين في الأضواء:
"هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون: بأن المجاز في القرآن. زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز. وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة، لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وافعالاً وأقوالاً لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة."
أ-
نود- قبل تحليل هذا النص- أن نضع مقدمة مدارها على عدم صحة المجاز إذا كانت الحقيقة من عالم الغيب أو مما لا سبيل إلى إدراكه ...
هذه القاعدة قريبة من البدهية في علم البيان، لأنه - باتفاق -لا بد في المجاز من قرينة وعلاقة ... ومقتضى هذين الشرطين استحضار الحقيقة:
فالقرينة تؤشر على امتناع الحقيقة ..
والعلاقة هي المناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ..
وفي الحالين لا بد من أن تكون الحقيقة معلومة، فلا يصح المجاز في قولك "جاء الأسد يرمي" إلا إذا كان المخاطب يعلم الحقيقة اللغوية لكلمة "أسد" .. ثم يأتي من بعد ذلك اعتبار شرطي المجاز: فيدرك مثلا أن العبارة المستعملة لا تحتمل المعنى الحقيقي، فهذه القرينة ..
وأن المراد منها وصف إنسان بالشجاعة وقد انتزعت من الحيوان وأضيفت إلى الإنسان بناء على المشابهة، فهذه العلاقة ..
وعند خفاء الحقيقة يستحيل نصب قرينة أو تصور علاقة فلا يقع المجاز ..
هذا التقرير لا يحتمل الجدال، لكنه قد يفهم من عبارات البلاغيين ما يشكك في أصالة الحقيقة:
قال السعد في المختصر:
"هذا بحث الحقيقة والمجاز والمقصود الأصلى بالنظر إلى علم البيان هو المجاز إذ به يتأتى اختلاف الطرق دون الحقيقة الا أنها لما كانت كالاصل للمجاز إذ الاستعمال في غير ما وضع له فرع الاستعمال فيما وضع له جرت العادة بالبحث عن الحقيقة أولا".
قلت: لا يخفى ما في كلام السعد من اضطراب- بل تناقض - فقد نفى أولا أن تكون الحقيقة أصلا للمجاز، غير أنه في تعليله أقر بثبوت هذه الأصالة حين قال" إذ الاستعمال في غير ما وضع له فرع الاستعمال فيما وضع له "
فإذا كان الأول فرعا فإن الثاني أصل بلا ريب، وهو ما أنكره بمفهوم عبارته السالفة، لأن اعتبار الحقيقة كالأصل يقتضي أن لا تكون أصلا في نفس الأمر ..
وقد حاول الدسوقي التوفيق بين الكلامين فقال:
قوله (كالاصل للمجاز) أتى بالكاف إشارة إلى أنها ليست أصلا حقيقة للمجاز وإلا لكان لكل مجاز حقيقة وليس كذلك إذ التحقيق أن المجاز لا يتوقف على الحقيقة ألا ترى أن رحمن استعمل استعمل مجازا في المنعم على العموم ولم يستعمل في المعنى الأصلي الحقيقي أعني: رقيق القلب فلفظ رحمن مجاز لم يتفرع عن حقيقة، لكن قول الشارح بعد ذلك فرع الاستعمال الخ يقتضي أن المجاز فرع عن الحقيقة وأنه أصل له فينافي ما تقدم إلا أن يقال: إن في قوله فرع الاستعمال حذف مضاف أي: فرع قبول الاستعمال وليس المراد فرع الاستعمال بالفعل أو يقال قوله فرع الاستعمال أي كالفرع عن الاستعمال فهو على حذف الكاف أو المراد أنه فرع بالنظر إلى الغالب إذ الغالب أن كل مجاز يتفرع عن حقيقة-قرره شيخنا العدوي. انتهى
¥