ملتقي اهل اللغه (صفحة 2653)

وشروط البلاغة المطلقة ثلاثة، يتعذر على الفصيح القيام بحق شرط واحد منها فضلا عن اجتماعها:

أولا:

يجب الإحاطة باللغة المستعملة وهذا محال، وأنا أحاول أن أكون دقيقا هنا،أقيد اللغة بالاستعمال، لأن اللغة المطلقة لا يحيط بها إلا نبي- كما قال الشافعي – بل إننا نزعم أن المتكلم لا يحيط حتى بالقدر من اللغة الذي استعمله هو نفسه ... فلا يستطيع أن يدرك سائر المعاني الإيحائية لكلمة استعملها بسبب ما تتعرض له الكلمة خلال تاريخها الطويل من عملية " شحن وإفراغ "في الدلالة .. (فما أشبهها بالإسفنجة تمر على سائل فتمتصه بدون وعي منا، أو تفقد سائلا بضغطة عارضة وقعت من غير قصد اليد أو شعورها ..)

ثانيا:

ليست اللغة نظاما من الرموز وأطيافا من الأساليب فقط بل هي مخلوقة للتداول بين الناس، معبرة ومصورة للعالم .. فإذا لم يأت الخطأ من عدم الإحاطة بنظامها وأساليبها جاء الخطأ من سوء فهمنا للموقف أو عدم إحاطتنا بالواقعة .. وبعبارة أخرى إن الخطأ عارض للإنسان المتكلم من جهة سوء استعماله الدال (اللغة) وأيضا من جهة جهله بالمدلول (العالم)

ثالثا:

يأتي الخطأ من جهة ثالثة هي جهة المطابقة بين القول والموقف ... فاللغة تخول للمتكلم اختيارات عديدة لكن من يضمن له أن مختاره هو الأنسب للمقام؟

هذه هي المشكلة المركزية في البلاغة ... !

وما قيل عن المفاضلة بين البلغاء،وتوزيعهم على المراتب المتفاوتة، إنما هو راجع إلى هذه الجهة .. ونحن نعتقد أن هذه مشكلة متفرعة عن المشكلتين السابقتين:

فلكي تتجسد البلاغة المطلقة يجب أن يحصل علم مطلق باللغة، وعلم مطلق بالواقع، ومهارة مطلقة في تحقيق المطابقة بين" العبارة" و"الواقعة" ..

وهذا محال في عالم البشر ... ومن هنا منشأ عجزه، ومن هنا جاء إعجاز القرآن أعني: عجز البلاغة النسبية لمطاولة البلاغة المطلقة!!

ولمزيد من البيان نحلل هذا الخبر الذي رواه "المرزباني" في" الموشح":

حدثني محمد بن إبراهيم الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبي خيثمة، عن أبي نصر أحمد بن حاتم، قال: بلغني أن الفرزدق دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: من أشعر أهل زماننا؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال: ثم من؟ قال: غلام منا بالبادية يُقال له ذو الرمة. قال: ثم دخل عليه جرير بعد ذلك فقال له: من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال: ثم من؟ قال: غلام منا بالبادية يُقال له ذو الرمة. فأحبّ عبد الملك أن يراه لقولهما، فوجّه إليه فجئ به، فقال: أنشدني أجود شعرك فأنشده:

ما بالُ عينيكَ منها الماءُ ينسكبُ ..... كأنه منْ كُلَّى مفريَّة سربُ

قال: وكانت عينا عبد الملك تسيلان ماء، قال: فغضب عليه ونحَّاه ...

يمدنا هذا الخبر بمثال عن "مكر البلاغة"،ومثال عن البليغ يتعرض للخطأ ضربة لازب من حيث يدري ولا يدري!!:

1 - قال جرير: لو خرس ذو الرمة بعد قصيدته: *ما بال عينك منها الماء ينسكب* كان أشعر الناس.

قول جرير يتضمن مفارقة غريبة جدا .. فكأن المرء ينجز البلاغة بالصمت لا بالكلام!!

وما أصدر جرير هذا الحكم إلا وهو واع أن فتح "باب الكلام " هو أيضا فتح "لباب الأخطاء" .. والأدهى من ذلك أن ما يسلم للشاعر من بلاغة نسبية في الماضي يكتسحه سيل الأخطاء في المستقبل فيبيت الشاعر يقلب كفيه!!

2 - والأغرب ما في الخبر أن القصيدة التي شيد بها ذو الرمة مجده البلاغي هي نفسها الفاضحة لقصور صاحبها .. وهذه مفارقة ثانية!!

ربما كان على جرير أن يصحح قوله:

"لو نسي ذو الرمة قصيدته: *ما بال عينك منها الماء ينسكب* كان أشعر الناس"!!

3 - القصيدة البائية جاهزة مدموغة بطابع البلاغة –بشهادة المنافسين أنفسهم- لكن إنشادها بين يدي الخليفة نكسة بلاغية جرت عليه الغضب والتنحية ... فاشهد على "مكر البلاغة " إذ ترى تقلبها على الشاعر: البلاغة هشت له عند إبداع القصيدة، وولت عنه عند إنشادها، والبائية هي البائية، وذو الرمة هو ذو الرمة!!!

4 - الوضع البئيس لابن الرمة ناشيء عن اخلاله بالشرط الثاني والثالث:

-فهو لم يكن مسيطرا على الموقف تماما، غاب عنه "شيء ما في عين الخليفة"، فسقطت قصيدته وجرته معها إلى السقوط ..

-أساء في اختيار القصيدة الملائمة بسبب قصور تحليله للواقع:

فهل كان عليه أن يتمعن جيدا في وجه الخليفة ليبحث عن عيوب خلقية فيه قبل أن يشرع في الإنشاد، وهل من اللياقة أن يفعل ذلك؟

وعلى فرض أنه لاحظ عرضا أن عين الخليفة تسيل .. فهل كان يجب عليه أن يخطر بباله أنه سيقع في" تعريض" غير مقصود في مقدمة قصيدة قديمة لم تنشأ أصلا لمدح الخليفة؟

وهل كان عليه أن يدرس نفسية الخليفة ليعرف مبلغ التطير فيها فيأخذ هذا بالاعتبار فيفتش قصيدته بيتا بيتا عله يجد فيها ما من شأنه أن يتطير منه ابن مروان .. ؟

استمع إلى ما يقوله المرزباني:

"وليجتنب [الشاعر] التشبيب بامرأة يوافق اسمها اسم بعض نساء الممدوح من أمة أو قرابة، أو غيرهما، وكذلك ما يتصل به سببه أو يتعلق به وهمه، فإن أرطاه ابن سهية الشاعر لما أنشد عبد الملك: وما تبغي المنيةُ حين تأتي على نفس ابن آدمَ من مزيدِ

وأحسب أنها ستكرُّ حتى توفَّي نذرها بأبي الوليد

فقال له عبد الملك: ما تقول؟ ثكلتك أمك! قال: أنا أبو الوليد يا أمير المؤمنين، وكان عبد الملك يكنى أبا الوليد أيضاً، ولم يزل يعرف كراهة شعره في وجه عبد الملك إلى أن مات ... "!!

أن يعرف البليغ كل "الأسرار" ضرب من التكليف بما لا يطاق .. والمصيبة أن البلاغة المطلقة لا تتحقق إلا بهذا الشرط ..

حاصل المعضلة أن معرفة الواقع لا تكون إلا نسبية،ومن ثم لا تكون البلاغة إلا نسبية ...

وفي ضوء هذا التلازم تفهم قوله تعالى:

{قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...} [الفرقان: 6]

لكن عجز الإنسان لا يعلل فقط بجهل ملابسات الكلام وأسرار المقام .. لكنه يعجز أيضا لأنه لا يستطيع أن يقول ما لا يمكن أن يخطر بباله .. وسنوافيك بتفصيله في الورقة القادمة إن شاء الله.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015