ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[27 - 10 - 2010, 08:11 م]ـ
7 -
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {23}
إن من مقتضيات التحدي القرآني أن ينتصب من مجتمع المخاطبين فئتان:
-أهل الاستجابة (المبدعون)
-وأهل الشهادة (النقاد)
وقد اخترنا تفسير "مجاهد" لمعنى الشهداء:" ناس يشهدون به" (وخصصهم ابن كثير ب" حكام الفصحاء") ولعل هذا القول أنسب لسياق الآية، ولمعنى" إرخاء الطول" المقترن بالتحدي في مواضع مختلفة من التنزيل.
ففي إضافة الشهداء إلى المخاطبين مزيد من إرخاء الطول، على اعتبار أن المدعوين من الشهداء -وهم من جهة الخصوم -لن يكونوا محايدين تمام الحياد،فلا بد أن تتخلل شهاداتهم اعتبارات خارجية من المودة والعصبية والمداهنة ... لكن القرآن-بمفهوم الآية- لا يحسب لهذه الاعتبارات أدنى تأثير على نتيجة التحكيم، فالثقة أكيدة في أن الفوارق بين القرآن وغيره ستكون من الوضوح ومن الظهور بحيث لن يتجرأ أحد فيحكم لغير القرآن،فيفضح بذلك نفسه أمام العرب كلهم كبارا وصغارا، كما فضح اليهود أنفسهم عندما شهدوا بكل صفاقة وقلة حياء أن دين المشركين أفضل من دين محمد، لما جاءهم وفد من قريش يستفتونهم في شأن الدين الجديد!!
إن ميزة تفسير مجاهد، أنه يضيف إلى إرخاء العنان وجها ثالثا:
-فمن جهة الكم:إنزال السقف من طلب الإتيان بمثل القرآن إلى طلب الإتيان بمثل سورة واحدة.
-ومن جهة الكيف: إعفاؤهم من معيار الصدق، ومطابقة الواقع حتى إنه ليجزينهم افتراء أي شيء:
قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)
-ومن جهة الشهادة:فلهم أن يعينوا (لجنة تحكيم) من قبلهم، لا من قبل القرآن، ولا من قبل جهة ثالثة محايدة.
ولعله من المفيد أن نلحظ أن آية البقرة قد خاطبت العرب بماهو معهود في مجالهم التداولي: فالاستماع إلى الكلام والكلام "الآخر" متكرر في مجالسهم وأسواقهم،والمعارضات الشعرية جزء من إبداعهم،والتحاكم إلى خبراء الكلام ونقاد المعاني سوق رائجة عندهم. وقد وردت الأخبار بما كان يجري في سوق عكاظ وغيره،وكتب الأدب حافلة بذكر أخبار النابغة والخنساء وغير النابغة والخنساء ....
فمطلب القرآن ليس بغريب ... إن الأمر لا يعدو أن يجعلوا القرآن مثل أي شعر مما يعارضون أو ينقدون .... !!
أليس منهج القرآن في التحدي هو" تيسير الإعجاز" .. وإغراء المعارضين بكل الوسائل ... ؟
والعجب أنه لم ينهض أحد ..
والأعجب أن القرآن يقول لهم في صميم التحدي "ولن تفعلوا " ... فكأنه يعرض عليهم بكل شجاعة "مقتله" .. ألم يكن في مقدورهم "أن يفعلوا" .. فينتصروا على كل الاحتمالات:
-فإن أتوا بمثل القرآن انتصروا!
-وإن لم يأتوا بمثله فقد "فعلوا " فيتم تكذيب القرآن بتكذيب جزء منه!!
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ} الأنفال31
انظر كيف حق القول عليهم ... !!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[29 - 10 - 2010, 10:02 م]ـ
8 -
{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ...........} [البقرة: 24]
العجز ناشيء عن طبيعة الإنسان وظروفه الوجودية: فالتركيبة العنصرية والنفسية والذهنية لابن آدم تمنعه من الإحاطة بالمواقف والأشياء،وهو خطاء وإن حاول جاهدا أن يحترس من الخطأ، فضلا عن الهوى- الظاهر والخفي- يلبس عليه أموره فيريه الباطل حقا والحق باطلا ..
هذا الضعف الوجودي ملموس أكثر في مجال الكلام إنتاجا وتلقيا .. ومقتضى قوله تعالى {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ...} أن أي كلام للبشر لا بد أن يتخلله "الخطأ" أويكمن فيه ... وتوضيح هذا المقتضى أننا نسلم بأن القرآن هو البلاغة المطلقة، وكل كلام لا بد أن يرتب في رتبة أدنى من القرآن في سلم البلاغة ... ومن ثم يكون الفرق بين البلاغة النسبية والبلاغة المطلقه هو نفسه مقدار الخطأ .. ولو على مذهب:"حسنات الأبرار سيئات المقربين " أو" فصاحة الفحول فهاهة المفلقين"-إن جازت لنا هذه المعارضة وصح لنا أن المفلق أشعر من الفحل-!!
¥