إن الله جمع في السورة عالما بأكمله وهؤلاء فسدت فطرهم حتى ليقولوا نريد وحدة اللون أبيض أو أسود،ووحدة الشكل مربع أو مثلث، ووحدة الموضوع تشريع أم إخبار ... !!
إذا كان لا بد من تأسيس علم الجمال فليكن مصدره القرآن ... ومن قلة الذوق أن نطبق مقاييس جمال الكفار على التنزيل العظيم! ألا هل بلغت!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[20 - 10 - 2010, 07:48 م]ـ
6 -
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {23}
يتصور الإتيان بمِثل هذا القرآن على ثلاثة أنحاء، وعلى كل نحو عقدة أو إشكال:
1 - آلية "التقليد":
يحاول المستجيب للتحدي أن يقلد آيات من القرآن عن طريق استبدال كلمات بأخرى،أوصياغة جمل على وزان جمل، وفي الغالب تكون الهيمنة
للجرس فيعتقد أن الإتيات بمثل فواصل القرآن هو الإتيان بمثل القرآن .. !! وقد قرأت نماذج بئيسة لبعض المعاصرين فيها محاكاة لفواصل التنزيل -دون أن يصرح بذلك- كما فسر بعض الجهال كثرة الفواصل القرآنية المختومة بالواو والنون بكونها في متناول المستعمل متى شاء، إذ في وسعه أن يأخذ أي فعل ويسنده للجماعة في صيغة المضارع (يومنون-يعلمون-يفعلون ... ألخ) فتتألف السورة ذوات الآيات الكثيرة دون أدنى مشقة!!!
هؤلاء النوكى لم يعلق من القرآن عندهم إلا جرس الفواصل،أعني شيئا قريبا جدا مما تعي الإبل من نعيق حاديها!!
ومن هذا المشرب ما تناقله الرواة عن محاكاة مسليمة لسورة الكوثرفقد قال: "إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر ... "
لكن العقدة على آلية التقليد أنها تفشل فشلا ذريعا في اختبار صحة القرآن،ولا تصلح أبدا لتمحيص دعاواه في المعاجزة،لأن المقلد يكون منذ البداية واقعا تحت سلطان القرآن، فلا يملك الانفكاك من قبضته ولن يعدو تقليده أن يكون إلا شهادة استسلام مضمرة ... فضلا عن النتيجة المحسومة ابتداء: فلا يمكن للمقلد أن يطمح إلا في ما دون مستوى القرآن، فمساواته مستحيلة على كل التقادير، ففرض الإتيان بمثل القرآن منقوض دائما بأمر لا انفكاك عنه يرجح القرآن عن كل النسخ المقلدة وذلكم الأمر هو: الأصالة والأسبقية في الوجود ..
أما التفوق على القرآن فأولى بالاستحالة، لأن المقلد قد وضع نصب عينه نموذجا يحاول الاقتراب منه ما أمكن،ومحال أن تأتي النسخة أعلى من الأصل .. !!
2 - آلية "المعارضة":
في المعارضة شائبة التقليد لكنها تتميزعنه بأمور، منها:
-الأول أن التقليد يصدر عن شعور بالنقص، أما المعارضة فتصدر عن شعور بالتفوق أو المساواة على الأقل .. فالمعارض إذ يريد إثبات الذات لا يرضى لمحاولته أن تأتي دون النموذج المعارَض،ولسان حاله يقول دائما:أنا مثله أو أفضل.
-الثاني: التقليد حسي في الغالب يقتصر على محاكاة نموذج ماثل (عبارة أو فقرة ..) أما المعارضة فتكون لنموذج إجمالي مجرد، وبعبارة أخرى المقلد يحاكي" نصا" والمعارض ينافس" خطابا".
-الثالث: للمعارض مجال كبير من الحرية لا يتوفر عليه المقلد .. فقد رأينا في المعارضات الشعرية أن المتأخر يلتزم البحر والروي والغرض لكنه حر في الفكرة والعبارة ...
ومن ثم يتحقق عند المعارض انفلات -ولو نسبي- من سلطة القرآن .. وهذا الشرط ضروري لكي يكون المتحدى في وضع يسمح له باختبار دعاوى القرآن ..
لكن العقدة على آلية المعارضة هي عدم وقوعها!!
ومن ثم يكون الإعجاز قد ثبت فعلا بطريقة سلبية .. الأمر شبيه بما يقع في المنافسات الرياضية عندما يتأكد المنافس أنه لا حظ له مطلقا في منازلة خصمه فيحبذ أن لا يحضر أصلا إلى ميدان التباري حفاظا على ماء الوجه .. لا سيما وأن تجارب المقلدين قبله قد كشفت عن مهازل تورط فيها أصحابها حتى أنهم جاؤوا بما هو عي غير معتاد عند المتكلم العربي .. ولو أنهم لم يعارضوا القرآن لجاؤوا بكلام مقبول فصيح ... فكأن مضاهاة القرآن لم تكسبهم تفوقا في الكلام بل أركستهم إلى مستوى دون السليقة الأمية وهذه مفارقة عجيبة جدا عند تأملها!!
3 - آلية "الإبداع":
اخترنا في الترجمة لفظة" إبداع" لما تدل عليه من الاختراع على غير مثال سابق،والمثال السابق هنا هو القرآن .. فالناس يكتبون في النظم،ويبتكرون المذاهب،ويؤسسون في القيم -بحسب تخصصاتهم- لكنهم ينجزون ما ينجزون دون أن يخطر في بالهم معارضة أو مزاحمة القرآن، بل قد تجد منهم من لم يسمع به من قبل ..
والإشكال على هذه الآلية واضحة:فلا يمكن اعتبارها استجابة للتحدي القرآني نظرا لغياب النية والقصد،ولا يجوز حمل كلام المتكلم على غير قصده .. وإنما ذكرتُ هذه الآلية لأن الناس تراهم " ينزلونها" منزلة المعارضة للقرآن، سدا للفراغ الموحش على صعيد المعارضة الحقيقية ... وهكذا يثبتون "إعجاز" القرآن عن طريق المقايسة والمقارنة، فينتهون إلى تفوق القرآن واعتبار هذا التفوق دليلا يزيل الريب عن المصدر السماوي للقرآن .. (كما ترى في بحث الشيخ دراز عن النظرية الأخلاقية في القرآن حيث أثبت أن نظرية القرآن أصدق وأقرب إلى واقع الإنسان من نظرية الفيلسوف "عمانويل كانط"، وكما تقرأ في مجال مقارنة القوانين حيث يثبت فيه أن العدل أتم في القرآن،وكما تقرأ في مجال النظم الاقتصادية الاجتماعية حيث تثبت في النظام المقترح من قبل القرآن اجتماع كل الحسنات المتفرقة في غيره ...)
نعم،كل هذا يثبت أن القرآن من عند الله بلا ريب، لكن الكلام عن "الإعجاز" هنا ينبغي أن يؤخذ بتسامح وتحفظ، ف"كانط" لم يكن يعارض القرآن في كتابه "نقد العقل العملي" فلا يقال أعجزه القرآن .. وإنما كان الرجل يتفلسف في مجاله فجاءت فلسفته بشرية فيها حق وباطل .. ومن الطبيعي أن يعلو القرآن عليها،كما يعلو الله على العالمين علوا كبيرا!!
¥