استدلالهم مبني علي التوحيد بين الكل وأجزائه وهذا لا يصح .. فسورة الكوثر معجزة باتفاق، لكن كونها مؤلفة من آيات ثلاث لا يدل على أن الله تعالى تحدى بهذا القدر من الآيات وجعلها المساحة التي يتبين فيها إعجاز الثقلين نظرا لاختلاف خصائص الكل عن خصائص أجزائه،الا ترى أن في الماء سييولة ومكوناته غازات .. فلو أن نبيا تحدى مخالفيه باستخراج ماء من صحراء، فغرف غرفة من الرمل استحالت في يده ماء، فإنه لا يبطل المعجزة قبضة من الهواء بادعاء أن ما فيها من غازات هو عينه ما في الماء!
وما أحسن قول الطِّيبِيُّ فِي «حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ»: «وَلِسِرِّ النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ كَانَ التَّحَدِّي بِالسُّورَةِ وَإِنْ كَانَتْ قَصِيرَةً دُونَ الْآيَاتِ وَإِنْ كَانَتْ ذَوَاتِ عَدَدٍ»!!.
الثاني:
آيات التحدي الثلاث –إلإ من سورتي الكوثر والنصر- هي بعض السورة، فيؤول الأمر إلى التحدي بما دون السورة، وهو خلاف الفرض،وخلاف ظاهر دليل القرآن!
الثالث:
هل يشترط في الآيات الثلاث أن تكون متتالية ام لا؟
فلو تأملنا مثلا مطلع سورة الحاقة
"الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) "
فسيقال لا إعجاز في قوله تعالى "مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ" إلا أن تنضم إليهما كلمة "الْحَاقَّةُ (1) أو أن تنضم إليهما "كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) " ليكمل العدد الذي يصح به التحدي هذا أقرب إلى التحكم!!
ثم هل تكون الآيات الثلاث الأولى من سورة الحاقة معجزة -وهي سبع كلمات فقط - وآية الدين لا إعجاز فيها -وهي تربو على مائة وعشرين كلمة- وكذلك لا إعجاز في آية العرش- وهي سيدة الآي -!!
فالثابت إذن أن الإعجاز لا يكون إلا في السورة.
وفي هذا إشارة جليلة غفل عنها كثير من المفسرين، فقد بحثوا عن الإعجاز في الآيات ولم يبحثوا عنها في السور .. ونقصد بالسورة ليس مجموع آياتها بل شخصيتها المستقلة وكيانها الخاص .. وما زالت الدراسات نادرة جدا في الكشف عن الخصائص الأسلوبية للسور،إذ يكتفي المفسرون بذكر مقاصد السورة ومواضيعها وهي أمور في الأغلب الأعم مشتركة بين كثير من السور فلا تتحدد في التفسير والتحليل معالم السورة وذاتيتها المتميزة ... وهنا حقا مضنة بيان الإعجاز أليس الله تعالى قد تحدى بالسورة وليس بالآيات؟
(ولنا محاولة متواضعة في دراسة سورة الكوثر بينا إعجازها من خلال الاستدلال على فرضية مفادها أن هذه السورة ذات الكلمات العشر قد احتوت جل المقولات النحوية بل جل العربية نوعيا .. وهذا إعجاز بين والحمد لله .. ونرجو أن يطلعنا الباحثون عن وجوه أخرى في إعجاز هذه السورة المباركة ولعل في اسمها" الكوثر" ما يحفز على التدبر والتثوير ..)
هذا، ولقد توجهت بعض الدراسات الحديثة إلى افتراض وحدة موضوعية في السورة القرآنية فسعوا إلى الكشف عنها وربما اعتبروا ذلك من وجوه الإعجاز ... أما نحن فنسأل:
-متى ثبت في علم الجمال أن الوحدة الموضوعية أفضل من تعدد المواضيع!
-وعلى أي معيار تأسس التفاضل؟
أقول: هذه نظريات دخيلة مخالفة للفطرة ..... أظهرها علم الجمال الغربي الرومنطيقي زاعما أن الوحدة الموضوعية أو العضوية للقصيدة تحقق لها أكبر قسط من الفن والجمال .. وتلقفها نقادنا -كعادتهم -من غير تأمل فتبرموا من شعرنا القديم زاعمين أنه مهلهل النسج بسبب تعدد مواضيعه .. وتكلف بعضهم تكلفا شديدا فمضى يبحث عن وحدة وهمية يسميها مرة نفسية ومرة موضوعاتية ... وتسللوا إلى القرآن العظيم فأبوا إلا أن يطبقوا عليه مقاييس جمالهم فرأوا أن السورة لن تكون معجزة إلا إذا توفر فيها جمالية "الوحدة" ...
أما فطرة الله فتقول:
إن متعة السمر لا تكون إلا بتجاذب أطراف الحديث .. ومتعة الأكل لا تكون إلا بتعدد الأصناف على المائدة .. ومتعة القصيد لا تكون إلا بتعدد أغراضه ... هذا ما أدركه البدوي بسليقته وحدسه الفطري .. وبهذا نزل القرآن .. !
وإن من إعجاز القرآن أن تأخذك السورة في سياحة فكرية وشعورية تجوب بك الجغرافيا والتاريخ،والسماء والأرض، وتجمع لك العبرة والوصية، والموعظة والخبر، والقانون والمثل ... حتى لتقول كيف اجتمع كل هذا في السورة؟
¥