وكما لم يفهم "الإعجاز " لم يفهم "النظم" .. وقد اعتقد بعض السذج أن "النظم" شيء خاص بالقرآن لا يوجد في غيره ولا يدرون أن النظم -بأي معنى فهم – هو شرط عام في إنتاج أي نص مقبول ... وشيخ البلاغة استخلص مقولاته وطبق مقاييسها في نظم القرآن وفي نظم كلام العرب شعرا ونثرا ... لكن السؤال الذي كان يؤرق عبد القاهروغيره:
"كيف يمكن للنظم أن تتفاوت درجاته وتتباعد حتى يصبح الفرق نوعيا فيجد المتكلم نفسه أمام نظمين: نظم يطيقه ونظم لا يطيقه"!!!
وهنا يصبح البحث في الإعجاز مهمة شاقة جدا على الصعيد النظري فترى الشيخ عبد القاهر -وهو من هو- يبديء ويعيد، ويكرر ويعود ... ومن يقرأ "أسراره" و"دلائله" برهافة حس يستشعر لا محالة أن شيئا ما عصيا يحاوله الشيخ –رحمه الله-ويتفلت منه كلما اوشك أن يظفر به!!
ولك الآن أن تقدر الفرق الكبير بين جسامة الإعجاز في دلالته الحقيقية واستسهاله في دلالاته الخاطئة فيطلق كيفما اتفق على الحرف والكلمة والجملة .. وما يقصدون به إلا الفصاحة والبلاغة .. ولو صرفوا المفهوم المجمل بتفصيله الشارح لربما ترددوا قبل أن يقولوا الإعجاز القرآني في الحرف لأن المعنى التفصلي حينئذ هو "لا يستطيع الجن والإنس" أن يستعملوا العطف ب"الفاء" بدلا من "الواو" أو تسوير الجملة بحرف "الرجاء" بدل حرف "التمني" أو النفي ب"ما" عوض النفي ب" لا "
لنعد كرة أخرى إلى نص الاستاذ الرافعي فنقول:
لا ريب أن ملاحظة الجرس الحسن وحده لا يكفي لتسجيل الإعجاز على القوم .. ولكن لو اتفق معه أن جاء ترتيب المعطوفات –أو نظمها حسب الوصف المفضل عند الاستاذ- موافقا للترتيب الزمني لإرسال الآيات الخمس .. ولو اتفق معها أيضا أن دلالات تلك الأسماء الخمسة جاءت على نظم "ما" من التدرج ولو اتفق معها أيضا ترتيب "ما" في سرد أجناس تلك الآيات .. لو اتفق كل هذا لقلنا إن الآية معجزة حقا .. لأنه ليس من العادة أن يتفق كل هذا في بضع كلمات من كلام الناس ... والناس خلقوا على نحو لا يمكنهم الإحاطة بما يتكلمون عنه، فيعلمون شيئا ويتقصدونه في ألفاظهم فيتحقق لديهم المعنى البليغ .. لكن أشياء أخرى كثيرة تظل بمعزل عن الوعي، لكنها حاضرة في الواقع، فينشأ عن عدم اعتبارها الخطل في القول والقصور في الفصاحة ...
وهنا سر إعجاز القرآن واختلافه عن كلام الجن والإنس!!
حاصل الأمر أن النكتة البلاغية بمفردها لا تكون معجزة ولكن مجيء النكت تترى: بعضها فوق بعض، وبعضها بعد بعض،واستقرارها في حيز ضيق من الكلمات،مع الاحتراس من وقوع أي نوع من أنواع الباطل فهذا حقا لا يستطيعه الإنسان ...
هنا يقع إعجاز القرآن، وهنا مظنة بعض صوره!!
ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[16 - 10 - 2010, 03:41 ص]ـ
5 -
أشرنا في الورقة السابقة إلى قضية القدر المعجز من القرآن، وسنزيدها هنا تفصيلا:
قال الباقلاني:
"الذى ذهب إليه عامة أصحابنا - وهو قول أبى الحسن الاشعري في كتبه - أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة، قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها.
قال: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة، وإن كانت سورة الكوثر، فذلك معجز.
قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر.
وذهبت " المعتزلة " إلى أن كل سورة برأسها فهى معجزة.
وقد حكى عنهم نحو قولنا، إلا أن منهم من لم يشترط كون الآية بقدر السورة، بل شرط الآيات الكثيرة.
وقد علمنا أنه تحداهم تحديا إلى السور كلها، ولم يخص، ولم يأتوا لشئ منها بمثل، فعلم أن جميع ذلك معجز".
والمراد بقوله" أو ما كان بقدرها" ما ذكره الرازي:
"أن الله تعالى أمر محمداً بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23] وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية، وكذا آية، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزاً واحداً بل يكون ألفي معجزة وأزيد".
وعندي أن زيادة "ما كان بقدرها" جديرة بالطرح وذلك من وجوه:
الأول:
¥