تأمل قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ} فإنها خمسة أسماء، أخفها في اللفظ "الطوفان والجراد والدم" وأثقلها "القمل والضفادع" فقدم "الطوفان" لمكان المدين فيها؛ حتى يأنس اللسان بخفتها؛ ثم الجراد وفيها كذلك مد؛ ثم جاء باللفظين الشديدين مبتدئًا بأخفهما في اللسان وأبعدهما في الصوت لماكن تلك الغنة فيه؛ ثم جيء بلفظة "الدم" آخرًا، وهي أخف الخمسة وأقلها حروفًا؛ ليسرع اللسان فيها ويستقيم لها ذوق النظم ويتم بها هذا الإعجاز في التركيب.
وأنت فمهما قلبت هذه الأسماء الخمسة، فإنك لا ترى لها فصاحة إلا في هذا الوضع؛ لو قدمت أو أخرت لبادرك التهافت والتعثر، ولأغنتك أن تجيء منها بنظم فصيح، ثم لا ريب أحالك ذلك عن قصد الفصاحة وقطعك دون غايتها، ثم لخرجت الأسماء في اضطراب النطق على ذلك بالسواء؛ ليس يظهر أخفها من أثقلها؛ فانظر كيف يكون الإعجاز فيها ليس فيه إعجاز بطبيعته.
وبهذا الذي قدمناه ونحوه مما أمسكنا عنه ولم نستقص في أمثلته لأنه أمر مطرد، تعرف أن القرآن إنما أعجز في اللغة بطريقة النظم وهيئة الوضع ولن تستوي هذه الطريقة إلا بكل ما فيه على جهته ووضعه، فكل كلمة منه ما دامت في موضعها فهي من بعض إعجازه، ... انتهى.
واضح أن الاستاذ الرافعي قد أثبت بحق فصاحة القرآن لكنه لم يثبت إعجاز القرآن .. !!
ونحن نرجع هذا القصور إلى ابتناء خطاب الرافعي على مفهومين غير إجرائيين هما:الإعجاز والنظم ...
-فالإعجاز عنده مرادف للفصاحة والبلاغة، وتحليله –هنا على الأقل-متجه نحو إثبات مراعاة القرآن للجرس في تنظيم الكلمات، لكنه لم يخط خطوة واحدة نحو إقناع القاريء أن هذا التنظيم معجز لا يستطيعه إنس ولا جان!!
فانظر إلى قوله:
"وأنت فمهما قلبت هذه الأسماء الخمسة، فإنك لا ترى لها فصاحة إلا في هذا الوضع؛ لو قدمت أو أخرت لبادرك التهافت والتعثر، ولأغنتك أن تجيء منها بنظم فصيح .. "
هذا الكلام ليس فيه ما يدل على الإعجاز بل فيه ما يدل على ضده!! ففي وسع كل متكلم أن ينضد السلسلة من المعطوفات بأنساقها الممكنة والمختلفة،ثم ينتقي منها محكِّما وتيرة جريان الأصوات على لسانه،أو مستشهدا بوقعها على آذان الناس .. فيكون الوضع المختار -أو المتفق عليه- هو الأفصح عنده وعند شهدائه من الناس ... ولكن هل يمكن الادعاء أن هذا هو الإعجاز!
أما مفهوم النظم فيبقى مفهوما غامضا حمال أوجه رغم أنه استعمل في ستة مواضع من النص السابق ... لكن لم يزده التكرار إلا إبهاما فقد استعمله الرافعي بمعناه اللغوي تارة وبمعناه الذي أودعه الجرجاني فيه تارة .. مع العلم –وهذا رأينا لا نفرضه على أحد، ويمكن الأخذ والرد فيه-أن مفهوم النظم هو في آن واحد سر قوة وضعف شيخ البلاغة ..
فهو قوة في سياق البحث عن وجه الإعجاز وتحديد مضمار المعاجزة .. وهو ضعف في سياق صياغة المصطلح وتحميله المعنى الدقيق القابل للملاحظة والقياس .. وقد تقرر في الابستملوجيا المعاصرة أن قوة العلم -وتميزه أيضا-رهينة فقط بمدى وضوح مصطلحاته وإجرائيتها .. فالفزياء علم كما أن السياسة علم .. لكن لا نشك في أن الأول أرقى بكثير من الثاني ليس بالنظر إلى النتائج فقد تكون النتائج السياسية أكبر وأنفع من النتائج الفزياوية ولكن بالنظر إلى القيمة الدلالية لمفهوم "التسارع "ومفهوم "الديموقراطية"مثلا ..
لكن مصطلح "النظم" عند عبد القاهر يكاد يجري عنده بمعنى صوفي –أعني "حدسي" "وجداني"-تنفلت دلالاته إذا ما شئنا منه أن يستقر على معنى عقلي منضبط ..
فقد يتسع مفهوم النظم ليتحد مع علم المعاني أو، إن شئنا الدقة، يتحد مع النسيج النصي الذي تتحقق فيه أبواب علم المعاني .. وقد يضيق حتى يغدو مرادفا لتعالق المقولات النحوية فقط وقد يأتي بمعنى منبثق من النظرية الأشعرية في الكلام-والجرجاني أشعري المشرب- فيعني النظم ترتيب الكلام في اللفظ، وفق ترتيب الكلام في النفس .. فتكون نظرية النظم الجرجانية إما مدلولا لنظرية الكلام النفسي الكلابية أو دالة عليه، مشتقة منه أو حجة عليه ... وهذا موضوع آخر ...
¥