ملتقي اهل اللغه (صفحة 2647)

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[10 - 10 - 2010, 08:03 م]ـ

4 -

من تجليات سوء فهم معنى"الإعجاز" أن تجد بعض الناس يديرون القول على "إعجاز الحرف" في القرآن أو " الإعجاز البياني في الحرف القرآني " .. وليس يخامرنا شك في أن إنزال المعترك إلى هذا المستوى الأدنى من اللغة هو من المجازفة بمكان .. فليس في وجوه الحرف ما يخول المساحة الكافية لمنازلة البلغاء ثم إثبات العجز عليهم ..

ولنا حجتان:

*الاولى: أن القرآن العظيم تحدى الخلق كرات، واكتفى منهم في آخر المطاف بأن يأتوا بمثل سورة واحدة ... جاعلا من السورة مقدار"نصاب" المعاجزة .. فلو كان الإعجاز قابلا للتحقق في مساحة أقل من السورة -آية مثلا –لتحدى به القرآن لا سيما مع اعتبار نهج إرخاء الطول الذي اتخذه القرآن العظيم مع المبطلين .. !

وما كان للقرآن -الذي لا يأتيه الباطل- أن يتحدى في آية فإن من الآيات لما تشتمل على حروف مقطعة فقط،وإن منها لما يعد فيها كلمة واحدة فحسب،وإن منها لما يتألف من تركيب إسنادي معتاد ... ويصعب جدا أن تكون هذه الفضاءات المضيقة مجالا للتباري ..

هذا،وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى:

(وَمَن قالَ سأُنزِلُ مِثلَ ما أَنزَلَ اللهُ) أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد تكلم بالإسلام، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم يكتب له شيئاً، فلما نزلت الآية التي في المؤمنين (وَلَقَد خَلَقنا الإِنسانَ مِن سُلالَةٍ) أملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله (ثُمَّ أَنشأَناهُ خَلقاً آَخَرَ) عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت علي، فشك عبد الله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال، وذلك قوله (وَمَن قالَ سأُنزِلُ مِثلَ ما أَنزَلَ اللهُ) وارتد عن الإسلام، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي.

وقول ابن أبي سرح في ترديده "ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال" إشارة إلى إبطال إعجاز القرآن في زعم هذا المفتون .. ولا شك أنه يعني ب"ما" الموصولية - لا المصدرية- ليفيد أن المماثلة حصلت بين مقوله ومقول القرآن .. بل إنه ليذهب إلى أن القرآن هو الذي قال بمثل قوله لا العكس فيجمع من جراء ذلك المجدين: التماثل وأصالة القول!!

وقد يقال إن جملة " تبارك الله أحسن الخالقين" جرت على لسان ابن أبي سرح تحت سيطرة الأسلوب القرآني نفسه، وأن مفرداتها وتركيبها مأخوذة توا من المعجم القرآني ... لكن ما يزيل الشبهة من جذورها حقا، هو التمسك بالسقف الذي حدده القرآن في المعاجزة وهو سقف السورة ... وليس الجملة بله الحرف ...

*الحجة الثانية:

الحرف موضوع لمعنى مثل الأسماء .. ويستحيل تصور الإعجاز في حدود المواضعة ... فهاهنا ثلاث احتمالات:

-أن يستعمل الحرف بصورة خاطئة وهذا لا يكون في قرآن ولا في كلام عربي ولا يتوقع مثله إلا من أعجمي يحبو في العربية.

-أن يستعمل الحرف بدلالته المعهودة الصحيحة وهذا متاح للعامة.

-أن يستعمل الحرف في معنى بلاغي بديع ... وهذا مقدور عليه عند الخاصة ..

ولا نتصور درجة رابعة يتحقق فيها الإعجاز في توظيف الحرف ..

وقد وقع كثير من الفضلاء في شَرَك التوحيد بين المعنى البلاغي البديع وبين الإعجاز ومنهم أساتذة كبار مثل الرافعي ...

قال الاستاذ:

"وما يشذ في القرآن الكريم حرف واحد عن قاعدة نظمه المعجز؛ حتى إنك لو تدبرت الآيات التي لا تقرأ فيها إلا ما يسرده من الأسماء الجامدة، وهي بالطبع مظنة أن لا يكون فيها شيء من دلائل الإعجاز؛ فإنك ترى إعجازها أبلغ ما يكون في نظمها وجهات سردها، ومن تقديم اسم على غيره أو تأخيره عنه، لنظم حروف ومكانه من النطق في الجملة؛ أو لنكتة أخرى من نكت المعاني التي وردت فيها الآية بحيث يوجد شيئًا فيما ليس فيه شيء.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015