ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[29 - 09 - 2010, 12:29 ص]ـ
3 -
"الإعجاز "مقترن دائما ب"التحدي":
فقد يكون "الإعجاز " نتيجة للتحدي على معنى الحكم بالعجز في آخر المطاف .. كما يكون من وسائل التحدي ووجوهه على معنى النسبة إلى العجز جرا للخصم إلى النزال ... وغني عن البيان أن هذا المعنى الثاني يستلزم المعنى الأول أيضا فلا يرفع التحدي إلا عن ثقة في إظهار ضعف الخصم وعجزه ..
وهنا يستحسن أن نقيم تمييزا بين الإعجاز وتعليله:
فالأول ينبغي أن يكون واضحا، شديد الوضوح،غير تارك هامش مناورة أومطل تأجيل حكم، لأن الأمر هنا لا يتعلق بالحجة فقط، بل بحجة الحجة:
فالقرآن حجة الله على العالمين،وإعجازه حجة الحجة،أو دليل على الدليل!
ولأن المقام يقتضي هذاالفصل الحاسم فقد جعل الله الحكيم الإعجاز أمرا وجدانيا واقعيا،والعلم به داخلا في العلم الحضوري لا العلم الحصولي ..
فالشعور بالعجز مثل الشعور بالجوع أو العطش أو الغضب لا يحتاج إثباتها إلى أي استدلال- سواء أكان الاستدلال منطقيا أو شرعيا أو تجريبيا- فلو قلت لصاحبك مثلا" إنك لن تستطيع رفع هذا الجبل"فهو مقر بالعجز لا محالة، وثبوت عجزه عنده بمنزلة ثبوت الأشياء حوله من شمس وصخروشجر، بل إن نفسه لا تحدثه بالاختبار التجريبي نفسه .. لأن محاولة التجريب ستكون شهادة على قلة عقله، وكم سيكون مشهد جرير مضحكا لو أراد أن يختبر قول خصمه الفرزدق فعلا فينبرى لثهلان يريد دفعه:
فادفع بكفك إن أردت بناءنا ... ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل ....
ولأمر ما جاءت كل المحاولات من معارضي القرآن مضحكة حقا .. ولعلنا نخصص لهذه المحاولات فقرة ..
إذا كان" العجز" من الوضوح بهذه الشفافية فإن تعليله ليس كذلك ..
فما الذي أعجز الثقلين؟
أهو الصرفة أم النظم أم الإخبار بالمغيبات أم سمو البلاغة ... !
من المؤكد أن هذا المقام يحتمل نظريات وفرضيات، من الصعب تأكيدها أو دحضها ... فبأي معيار - مثلا -نثبت أن هذه الصورة البيانية أو تلك قد سمت على الطاقة البشرية ودخلت في طبقة الإعجاز .. فالتحليل المنطقي غير ممكن في مسائل البلاغة أما الانطباع الذوقي فهو حجة قاصرة لا يمكن أن تتعدى إلى غير صاحبها!!
هاأنت ترى صعوبة تعليل الإعجاز في الوقت الذي يكون فيه العجز أوضح من النهار مثل شعور المرء بالتعب والرغبة في النوم ... !!
وقد يكون العجز ثابتا دون أن تكون عندنا فكرة عن نوعه أو علته ... وهذا نموذج للتأمل -فقد آن الأوان لإعطاء مثال ملموس عن إعجاز حقيقي-:
1 - فليكن (أ) عنصر لغوي معتاد مألوف جار في مخاطبات الناس ..
2 - لن يشترط في استعماله شيء من الفصاحة أو البلاغة، فيكتفى له بأدنى مرتبة في سلم التقييم اللغوي وهي مرتبة " المقبولية".
3 - يستعمل في القرآن في مواضع مخصوصة فيكون متمكنا مقبولا ....
4 - إذا استعمل في تلك المواضع بعينها في غير القرآن يكون لغوا غير مقبول .. مهما كانت الظروف إلى يوم القيامة.
هذا إعجاز لا شك فيه، إذ لا يتصور أن يقبل تعبير من "زيد" وينكر من "عمرو"مع اتحاد جميع الملابسات والاعتبارات!!
هذا العنصر اللغوي هو فعل الأمر "قل" الوارد في الذكر الحكيم عشرات المرات خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم ...
لكن "قل" هذه كان يجب أن تختفي من الحكاية لفظا،فتأويلها الوحيد هو "فعلها" لا "قولها"!!
فإذا حكيت "قل" لفظا أحدثت بلبلة عظيمة في الخطاب،فأحالت اللغة لغوا غير معقول ..
ألا ترى أنك إذا قلت لابنك- بعد استئذان جارك في الدخول عليك-:"قل له ادخل" فإن ابنك يحلل بالسليقة محتوى العبارة فإذا كان عنده مسكة من العقل فسيعي أن فعل الأمر "قل " ليس من مستوى فعل الأمر "ادخل"فالأول تأويله هو فعله والثاني تأويله هو قوله ... وله طريقتان: الحكي المباشر: فيقول "ادخل" أو الحكاية غير المباشرة فيقول- مثلا-:يقول لك أبي بأن تدخل ...
لكن لا يمكن أن يحكي الفعلين معا فيقول للجار "قل ادخل" فيغدو الكلام غير مفهوم ولا مقبول ...
هذه قاعدة سليقية في جميع لغات البشر ..
لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ينزل عليه "قل هو الله أحد" فيبلغها للناس حرفيا "قل هو الله أحد" ويُلقَّن: "قل يا أيها الكافرون " فيسمعها الناس عنه
"قل يا أيها الكافرون " مع أن مقتضى القاعدة السليقية أن يقول" يا أيها الكافرون" بدون قل التي قد تحقق محتواها بفعل التبليغ نفسه وليست من جملة ما يحكى!!!
والأغرب ما في المسألة أن عشرات الآيات تتضمن" قل" ولا يستغربها المتلقي بل لا ينتبه إلى المشكلة أصلا ... !!
ولو استعملها المتكلم في أي ظرف لكانت تجديفا في العقل ونسفا للغة!!
لو أرسلك مرسل:"قل أيها الناس إنكم ميتون" فهل ستقول لهم" أيها الناس إنكم ميتون" أم تقول "قل أيها الناس إنكم ميتون" فماذا يبقى من العقل ومن اللغة لو قلت الثاني!!
لماذا تقبل "قل" في القرآن ولا تقبل في كلام الناس!!
في الحقيقة لا أدري ... فالمسألة تتجاوز البلاغة والنحو وكل معايير الناس في الكلام ...
ورغم جهلنا بالأسباب فالإعجاز واضح جدا ..
تقبل "قل" في القرآن ولن تقبل في غيره أبدا ... لعل الأمر أكبر من العصا التي تكون عصا في اليد فإذا ألقيت على الأرض أصبحت حية وأذا أخذت ثانية باليد عادت عصا ..
قلت الأمر أكبر من العصا لأن المرء قد يفسر ما حدث بالسحر (كما فعل المبطلون من فرعون وقومه ..) لكن أي تعليل يفسر مقبولية قل في" كتاب" وعدم مقبوليتها في "كتب" والظروف هي الظروف والملابسات هي الملابسات!!
¥