ملتقي اهل اللغه (صفحة 2645)

حتى إن القوم لكادوا يخربون بسلوكهم هذا – ولعله عن نية حسنة –فكرة الإعجاز نفسها!!

وجاء أصحاب الإعجاز الرقمي فطم الوادي ...

عاثوا في معنى الإعجاز فسادا أكثر من غيرهم ... فقد يستسيغ الذوق تنزيل الحكمة منزلة الإعجاز مجاراة لأصحاب الإعجاز التشريعي، أو تنزيل النكتة البلاغية منزلة الإعجاز مسامحة مع أصحاب الإعجاز البياني .. لكن أصحاب الأعداد نزلوا العبث منزلة الإعجاز!!

وحسبهم أنهم يبطلون القرآن ... لكن أين؟

في المواضع نفسها التي يعلن فيها القرآن التحدي .. وهذا هو العجب!!

بيان ذلك أن هؤلاء يزعمون أن سر الإعجاز العددي يتجلى في نظام رقمي معين وفي توافقات عددية يحصلون عليها اشتغالا بالعمليات الحسابية الأربع: ضما وطرحا وضربا وقسمة!!

وهذا التصور مختل من جهتين:

-أولا: هذا شذوذ عن الوظائف الطبيعية للغات البشرية، فقد خلقت للتواصل والتعبير ... فلا تجد إنسانا سويا يخطر بباله وهو يستمع إلى حديث جاره أن يعد حروفه عدا ... فيجمع الصادات ويطرح السينات ويقسم العينات ويضرب القافات ...

كم منا خطر بباله أن يعد حروف "السلام عليكم " التي يحييه بها صاحبه ثم يكتشف أنها مساوية ل" بكم البرتقال"!!

وهل يجد العاقل فينا نزوعا إلى عد ما اشتمل عليه كلام من يهددنا بالقتل ويوعدنا بالنحر ... بربكم،أليس هذا من فسولة عقل من يفعل ذلك!!

-ثانيا، هذا ليس من الإعجاز قطعا ... فهؤلاء يزعمون أن الله تعالى جعل في السورة نظاما عدديا من 9 و 10 مثلا ... ثم تحدى الثقلين الإنس والجن -متعاونين - على أن يأتوا بمثل هذا النظام في كلامهم –حتى في كلامهم المفترى-فعجزوا ... أليس فيهم جماعة مدعمة بتقنيات العصر قادرة على تأليف كتاب فيه من الأنظمة العددية ما لا يوجد في القرآن نفسه ... أليس إنكار هذه القدرة عند الجن والأنس من المكابرة!!

نعم، يجوز أن يكون في القرآن توافقات عددية ويمكن أن يسلم لأصحابها بصحة غابات الأرقام والرموز التي يسطرونها، لكن لا يتصور أن يتحدى القرآن الجن والإنس في هذا الشأن لسبب واضح هو وجود القدرة عند الإنس،فضلا عن الجن،فضلا عن تعاونهما، في إنتاج ما يماثل القرآن من تلك الجهة.

ٍ [وقد كان لنا تنبيه على عبث الأرقام في هذا الرابط قبل بضع سنين]:

http://www.tafsir.net/vb/showthread.php?t=6453

2- المعنى الصحيح للإعجاز:

الإعجاز لغة –وليس للإعجاز معنى غير ما يحدده المعجم العربي- "إفعال" من العجز، والعجز في اللسان: نقيض الحَزْم،عَجَز عن الأَمر يَعْجِزُ وعَجِزَ عَجْزاً فيهما ورجل عَجِزٌ وعَجُزٌ عاجِزٌ ومَرَةٌ عاجِزٌ عاجِزَةٌ عن الشيء عن ابن الأَعرابي وعَجَّز فلانٌ رَأْيَ فلان إِذا نسبه إِلى خلاف الحَزْم كأَنه نسبه إِلى العَجْز ...

والعَجْزُ الضعف تقول عَجَزْتُ عن كذا أَعْجِز وفي حديث عمر ولا تُلِثُّوا بدار مَعْجِزَة أَي لا تقيموا ببلدة تَعْجِزُون فيها عن الاكتساب والتعيش وقيل بالثَّغْر مع العيال والمَعْجِزَةُ بفتح الجيم وكسرها مفعلة من العَجْز عدم القدرة .. وفي الحديث "كلُّ شيءٍ بِقَدَرٍ حتى العَجْزُ والكَيْسُ" وقيل أَراد بالعَجْز ترك ما يُحبُّ فعله بالتَّسويف وهو عامّ في أُمور الدنيا والدين ..

وأَعْجَزَه الشيءُ عَجَزَ عنه ..

والتَّعْجِيزُ التَّثْبِيط وكذلك إِذا نسبته إِلى العَجْز وعَجَّزَ ....

خلاصة الأمر أن للعجز معنيين:

-العجز عن فعل الشيء مع وجود القدرة وهذا هو المفهوم من الحديث الشريف الصحيح في مسلم وغيره:

سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ أَوْ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ ..

فقد قابل الرسول صلى الله عليه وسلم العجز بالكيس والكيس هو الخفة والتوقد ... فيكون العجز عن الفعل من باب التثاقل والهمود لا من باب الاستحالة ..

وبهذا المعنى قوله تعالى:

فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

فما من شك أن العجز هنا بمعنى عدم الفعل مع وجود الاستطاعة، لأن مواراة الجثة مقدور للقاتل ولعله فعل ذلك من بعد اقتداء بالغراب. فلم يكتسب الاستطاعة ولكنه اكتسب الهمة والرغبة.

-المعنى الثاني للعجز هو فقدان الاستطاعة مطلقا،كأن يعجز الإنسان عن حمل جبل أو أن يُدخل الجمل في سم الخياط ..

أما همزة التعدية في "إعجاز" فتفيد أيضا معنيين:

المعنى الأول: الجعل والتصيير .. أعجزه أي جعله عاجزا مثل أنهكه وأتعبه وأخرجه

المعنى الثاني: النسبة والاعتبار .. أعجزه أي نسبه للعجز واعتبره عاجزا وحكم عليه بالعجز مثل أَكْفَره: دعاهُ كافراً، يُقال: لا تُكْفِر أحداً من أَهْلِ قِبْلَتِك، أي لا تَنْسُبهم إلى الكُفر، أي لا تَدْعُهم كُفَّاراً ..

ومن الطريف أنه يمكن صياغة المذهبين في إعجاز القرآن من خلال التزويج:

فمذهب الصرفة يجمع المعنى الأول للعجز والمعنى الأول للهمزة:

فيدعي أن الإنسان قادر على أن يأتي بمثل القرآن لكن الله صرفه عن ذلك أو ثبطه أو نزع منه الإستطاعة وجعله عاجزا ..

ومذهب الجمهور يجمع المعنى الثاني للعجز والمعنى الثاني للهمزة:

فالعجز حقيقي وذاتي، والإعجاز ليس بمعنى جعلهم عاجزين كما يقوله أهل الصرفة بل هو بمعنى نسبتهم إلى العجز على سبيل التحدي والتهييج كما تقول" أنت عاجز وضعيف" لمن تريد أن تستنهض همته وتحفزه على الفعل فيثور من جراء ما نسبته للعجز والضعف!

وهذا هو المعنى الصحيح لآيات التحدي كما سنرى بإذن الله تعالى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015