ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[25 - 09 - 2010, 05:44 ص]ـ
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين ..
وبعد:
فهذه أوراق، سأجمعها في هذا الموضع، مدارها على تحقيق معنى الإعجاز، وبيان ما التبس به من دلالات غير محررة ...
1 - معان خاطئة للإعجاز:
وقع كثير من الناس في الالتباس بشأن مفهوم الإعجاز منشؤه الوهم أن "الإعجاز" فرد من جنس المصطلحات التي يضعها أرباب الصناعات والعلوم ... مثل "الجوهر" أو "الكسب"،و"الحال" أو "التمييز"، و "الطاقة" أو"الذرة"،و"المندوب" أو" الفرض " وغيرها من مواضعات علماء الكلام والنحو والهيئة والشريعة ...
لكن التحقيق أن "الإعجاز" لا يحتمل أية دلالة اصطلاحية عرفية –لا خاصة ولا عامة- خارج دلالته اللغوية، فلا يعني إلا ما وضع له مصدر "إعجاز" في لسان العرب ...
وقد استعمل هذا المعنى شططا داخل الدراسات القرآنية وخارجها ...
فخارج القرآن جرت هذه الكلمة على ألسنة الناس فسمع منهم في المجلات والكتب والمؤتمرات "الإعجاز في خلق الجنين" والإعجاز في الخلية" والإعجاز في الجبال" وغيرها كثير .. مما يؤكد أن القوم تشابه عليهم الإعجاز والحكمة!!
مع أن المفهومين متباينان لا يجمعهما مطابقة أو تضمن أو حتى التزام .. بل إن استعمال "الإعجاز" في موضع "الحكمة " غلط واضح:
فقولهم"الإعجاز في خلق الجنين" يستلزم أمرا بين البطلان: إذ قد يفهم منه أنه في وسع الإنسان أن يخلق شيئا لكنه عاجز عن خلق الجنين!
مع أن الخلق لا يقدر عليه إلا الله الخالق الباريء ... فلو افترضنا أن الله خلق شيئا عاطلا عن الحكمة أو منافيا لها فالخلق وحده- بقطع النظر عن مواصفات المخلوق – إعجاز .... لأن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود لا يدعيه إنسان عاقل، إنه إعجاز عام لا يقبل التخصيص في " الجنين" أو "الخلية" أو "الإبل" ...
لكن القوم يقصدون أن في خلق الجنين حكمة فعبروا عنها خطأ بالإعجاز .. وفاتهم أن الجنين حتى لو كان، في جملته وتفصيله، ركاما من العبث واللعب فهو معجزة .. فمَن القادر في مخلوقات الله على إخراج شيء من العدم مهما كان هذا الشيء ... !!
فأنت ترى أنه لا تلازم بين الإعجاز والحكمة ... !
ونلحظ الخطأ ذاته في مجال الدراسات القرآنية .. فالقوم يتحدثون عن الإعجاز التشريعي –مثلا- وليس في نيتهم إلا الحديث عن "الحكمة" في التشريع!
فالدلالة الصحيحة للإعجاز في تحريم الخمر –مثلا- هو انتفاء قدرة الإنسان على تحريم الخمر وهذا باطل فكثير من الشعوب قد حرمت الخمر على نفسها ومن لم يفعل منها فبمقدورها أن تفعل، فأين الإعجاز؟!
فلا بد أن يقروا أنهم أرادوا أن للإسلام حكمة في التحريم لا القدرة على التحريم فقط ... وعليهم، تبعا لذلك، أن يقروا بخطأ استعمال كلمة الإعجاز في هذا الموضع ... فضلا على أن عددا من الشعوب قد حرمت أمورا كثيرة عن حكمة لا عن هوى .. فأين الإعجاز كرة أخرى!؟
أو كلما انتبهوا إلى حكمة في الدين سموها إعجازا؟
لا يكاد ينجو أحد من الاستعمال السيء لكلمة "إعجاز" حتى المشتغلون بالبحث في بلاغة القرآن انفسهم ... تجد الباحث منهم يعد "النكتة البلاغية " إعجازا فتراه يحسب العطف ب"الفاء" عوض" الواو" من الإعجاز، ويزعم أن التوكيد ب"اللام" والخلو منه إعجازا في:
{وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} الشورى43
وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} لقمان17
أو كلما انتبهوا إلى نكتة بلاغية في الآية سموها إعجازا؟
فكأنهم يسارعون إلى الدفاع عن القرآن العزيز- الذي لا يحتاج إلى مدافع- مع أن الدفاع بالباطل عن القرآن يبطل القرآن نفسه ... ألا ترى أن الشعر الجاهلي لا يخلو من نكت بلاغية دقيقة: فالشاعر المتوسط –بله المفلق منهم- يعرف أن يعطف بالواو في موضع وبالفاء في موضع، ويوصل الجمل في موضع ويفصلها في موضع، ويقدم في موضع ويؤخر في موضع .... وله في كل معنى من البلاغة ونكتة في البيان ...
فماذا لو انبرى لهم بعض الملاحدة فعارضوا نكت البلاغة في القرآن بمثلها مما يستنبطونه من المعلقات وغيرها ... لكنه التسرع في استعمال مفهوم الإعجاز والتساهل فيه!
¥