في هذه الآية أربعة أفعال مبنية لما لم يسم فاعله، فأما الثاني والثالث وهما ((غِيضَ)) و ((قُضِي)) فالفاعل لهما الله، فهو سبحانه الذي غاض الماء، أي نقَصَه حتى ذهب عن وجه الأرض، وهو الذي قضى الأمر، أمرَ إهلاك المكذبين، أي أتمه، فنفذ فيهم حكمه الذي سبق به قدره.
وأما الأول والرابع، وهما ((قِيلَ)) في أول الآية وآخرها فيحتمل أن يكون الفاعل عاما لكل من يتأتى منه القول، ويكون ما في هذا القول من النداء للأرض والسماء وارداً على جهة التمني، وهو يصوّر مبلغ الهول وشدة الخوف، وعلى هذا الوجه فقوله: ((وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَومِ الظالمِينَ)) دلالة على بغض كل شيء للظالمين، فلذلك يدعو عليهم بالبعد غير مأسوف عليهم.
ويحتمل أن يكون فاعل القول في الموضعين هو الله [2] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17778&posted=1#_ftn2) والنداء في الأرض والسماء خطاب من الله لهما بما أَمَرهما به، والأمر يحتمل أن يكون أمر تكوين محض، فلا إرادة للسماء والأرض في الفعل المضاف إليهما، ويحتمل أن يكون أمر تكليف فيكون الفعل من الأرض والسماء واقعاً بإرادة منهما طاعة لله تعالى، وهذا أظهر كما قال سبحانه: ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أتَيْنَا طَائِعِينَ)) [فصلت: 11].
ولا يمتنع أن يكون للأرض والسماء من الإدراك والإرادة ما يؤهلهما للخطاب. وعلى هذا الوجه فقوله: ((وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَومِ الظالمِينَ)) حكم من الله ببعد الظالمين من رحمته، وهذا يتضمن لعنة من الله عليهم.
وأما الإقلاع والبلع مضافين إلى السماء والأرض، فيحتمل أن يكون ذلك استعارة أو مجازاً عقلياً على تقدير أن لا إرادة لهما، وأما على تقدير أن لهما إرادة فالفعل منهما حقيقة، إلا إذا قيل إن البلع مختص بالحيوان، فالتعبير بالبلع عن دخول الماء في جوف الأرض استعارة تصريحية.
والراجح من الوجهين في فاعل ((قِيلَ)) في أول الآية وآخرها هو الثاني، وهو أن فاعل القول هو الله، وذلك لأمور:
أولها: لتتحد الأفعال الأربعة في فاعلها ويطرد التقدير.
ثانيها: أنه لا أحد يملك أمر السماء بالإقلاع والأرض ببلع الماء إلا خالقها ومدبرها، وهو الله سبحانه وتعالى.
ثالثها: أن الحكم من الله ببعد الظالمين وطردهم من رحمته أعظم في الوعيد والذم من دعاء الخلق عليهم. والله أعلم.
ـــــــــــــــــــ
[1] الإيضاح (470 - 474) "خاتمة مبحث البيان ".
[2] ينظر: معارج الصعود إلى تفسير سورة هود للشنقيطي (122).
ـ[غمام]ــــــــ[07 - 01 - 2011, 06:27 ص]ـ
(36)
قال الخطيب القزويني: "ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى، كقوله تعالى: ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللََّطِيفُ الخَبِيرُ)) [الأنعام: 103] فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر" [1] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17779&posted=1#_ftn1).
التعليق:
إن هذا الكلام يفهم منه أن المصنف يفسر (اللطيف) بالخفي وهو غلط ظاهر، وقد وفد إليه هذا القول أو التفسير من الزمخشري، وهاك عبارته: " ((اللَّطِيف)) يلطف عن أنْ تدركه الأبصار " [2] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17779&posted=1#_ftn2).
ومعلوم أن المعتزلة ينكرون أن الله عز وجل يُرى، بل يرون أن ذلك مستحيل على الله، كما يستحيل عليه النوم والموت ونحو ذلك من النقائص [3] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17779&posted=1#_ftn3).
والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل يُرى في الآخرة، يراه المؤمنون بأبصارهم كما يرون الشمس ليس دونها حجاب، والقمر ليس دونه سحاب.
والصحيح في تفسير ((اللَّطِيف)) في الآية أن يقال: اللطيف الذي يدرك الأشياء الخفية – فهو صيغة مبالغة من لَطَف -بفتح الطاء- فهو سبحانه من أحاط علماً بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة [4] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17779&posted=1#_ftn4) و ((الخَبِيرُ)) في الآية تأكيد لما تضمنه ((اللَّطِيف)) من معنى، وهذه الآية تشبه في مبناها آية لقمان: ((يا بُنيَّ إنَّها إن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)) إلى قوله -: ((إنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ)) [لقمان: 16] وعلى هذا فيكون الاسمان الكريمان ((اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)) اللذان ذيلت بهما الآية كلاهما راجع إلى قوله: ((وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ)) لا كما قال المؤلف.
وأحسب أنه بعد هذا قد تجلّى لك أن ادعاء تشابه الأطراف في الآية بعيد، اللهم إلا أن يكون تشابهاً نسبياً، والله أعلم.
تنبيه – جاء اسم الله ((اللَّطِيف)) في القرآن على نوعين لا ثالث لهما ألبتة:
الأول: أنه الذي لا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت، أي هو لطيف العلم، وهو ما شرحناه لك فيما مضى في سورة الأنعام التي استشهد بها القزويني.
الثاني: الرؤوف بعباده الذي يلطف ويرفق بهم من حيث لا يعلمون، يرزقهم من حيث لا يحتسبون، ويحسن إليهم من حيث لا يشعرون.
فهذا المعنيان هما اللذان يفسر بهما – فقط – كل ما ورد من اسم الله (اللَّطِيف)) أما مجيء ((اللَّطِيف)) بمعنى الخفي فلا يوجد في القرآن. قال ابن القيم رحمه الله:
وهو اللطيف بعبده ولعبده ** واللطف في أوصافه نوعان
إدراك أسرار الأمور بخبرة ** واللطف عند مواقع الإحسان
فيريك عزته ويبدي لطفه **والعبد في الغفلات عن ذا الشان [5] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17779&posted=1#_ftn5)
ـــــــــــــــــــ
[1] الإيضاح (490) "مبحث المحسنات المعنوية ".
[2] الكشاف (2/ 41).
[3] ينظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل (4/ 139) متشابه القرآن (1/ 291) كلاهما لعبد الجبار.
[4] تيسير الكريم الرحمن (268).
[5] نونية ابن القيم " مع شرح ابن عيسى " (2/ 228) وينظر النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى (1/ 241).
¥