قال الخطيب القزويني: "تنبيه أطبق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأن الاستعارة أبلغ من التصريح بالتشبيه، وأن التمثيل على سبيل الاستعارة أبلغ من التمثيل لا على سبيل الاستعارة، وأن الكناية أبلغ من الإفصاح بالذكر" [1] (http://www.ahlalloghah.com/newreply.php?do=postreply&t=4025#_ftn1).
التعليق:
كنت أتمنى على المؤلف لو قال: أطبق البلغاء على أن المجاز أكثر مبالغة من الحقيقة ... إلخ. أو لو بيّن – على الأقل- أنه يريد بالأبلغية هنا المبالغة، فإنه قد يتبادر من العبارة للقارئ أن (أبلغ) من البلاغة، كما وقع ذلك لبعض المصنفين [2] (http://www.ahlalloghah.com/newreply.php?do=postreply&t=4025#_ftn2) وإن كان الخطيب قد تلقف هذه العبارة من عبد القاهر [3] (http://www.ahlalloghah.com/newreply.php?do=postreply&t=4025#_ftn3) والسكاكي [4] (http://www.ahlalloghah.com/newreply.php?do=postreply&t=4025#_ftn4).
وذلك لأن (أبلغ) اسم تفضيل، وإنما يشتق من الثلاثي، كما هو مذهب جمهور النحويين، فلا غرو أن تحمل (أبلغ) على (بَلُغ) لا (بالغ)، هذا شيء، وشيء آخر، وهو أن (أبلغ) في عرف أصحاب هذا الفن من البلاغة لا من المبالغة، كما إذا قالوا: هذا التعبير أبلغ من ذاك، وقد يعطفون عليها (أفصح) تأكيداً لمعنى البلاغة، كقول أبي هلال العسكري: "قوله عز اسمه: ((وَإِذَا غَرَبَتْ تقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ)) [الكهف: 17] ليس في جميع القرآن أبلغ ولا أفصح منه " [5] (http://www.ahlalloghah.com/newreply.php?do=postreply&t=4025#_ftn5).
وأيَّا ما كان؛ فإن المؤلف قصد بالأبلغية هنا المبالغة فحسب، لأن في هذه الأساليب (المجاز والاستعارة والكناية) إفادة المعنى بدليله.
وأما حمل (أبلغ) على البلاغة ففيه نظر ظاهر، ذلك لأن لكل من هذه الأساليب (الحقيقة، المجاز، الاستعارة ... إلخ) موقعه اللائق به، ولا يمكن أن يحكم لبعضها بأنه أبلغ من غيره بإطلاق، فإن المقام إذا كان يتطلب المجاز فيكون المجاز حينئذ أبلغ من الحقيقة، والعكس بالعكس، وهكذا يقال في الأساليب الأخرى حين التفاضل، وإلا فما معنى قولهم: (البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال) بيد أنك تجد القرآن وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقة والتصريح بالتشبيه، والتمثيل لا على سبيل الاستعارة، ومحال أن تقول: إن هذه الأساليب غير بليغة ولو جاء ضدها من المجاز والاستعارة لكان الكلام أبلغ!
ثم إنه ينبغي أن يعلم أنه لا يلجأ إلى المجاز إلا لتحقيق غاية في صناعة الكلام، فإذا لم يحقق المجاز غاية، ولم يكن له أثر في تقويم اللفظ أو تحسين المعنى، فلا ينبغي العدول عن لفظ الحقيقة إلى لفظ المجاز، لأن الأصل الحقيقة. ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة.
ــــــــــــــــــــــ
[1] الإيضاح (468).
[2] انظر على سبيل المثال: المثل السائر (1/ 88)، الطراز (2/ 8)، الصور البيانية بين النظرية والتطبيق لحفني شرف (222) البحث البلاغي عند ابن قتيبة لمحمد الصامل (219).
[3] دلائل الإعجاز (70).
[4] مفتاح العلوم (523).
[5] الصناعتين (282).
ـ[غمام]ــــــــ[07 - 01 - 2011, 06:12 ص]ـ
(35)
قال الخطيب القزويني: "ثم قال [أي السكاكي]: وإذ قد وقفتَ على البلاغة والفصاحة المعنوية واللفظية، فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين ما عسى يسترها عنها، وذكر ما أورده الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ((وَقِيلَ يا أرضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سماءُ أقلعِي وَغِيضَ الماءُ وَقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلَلى الجُودِي وقِيلَ بُعْدًا للقَومِ الظَّالمينَ)) [هود: 44] ... إلخ " [1] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=17778&posted=1#_ftn1).
التعليق:
أطال المؤلف جداً في تحليل الآية بما نقله عن السكاكي – الذي أخذ عن الزمخشري – ثم ما أضافه الخطيب من عند نفسه، بيد أنه ترك التنبيه على أشياء مهمة لا يصح للبلاغي ولا لمن يتعاطى التفسير إغفالها، فأقول متمماً لمقاله، وبالله التوفيق:
¥