ـ[غمام]ــــــــ[07 - 01 - 2011, 05:21 ص]ـ
(32)
قال الخطيب القزويني: "والكناية البعيدة ما ينتقل منها إلى المطلوب بها بواسطة، كقولهم – كناية عن الأبله-:عريض الوسادة، فإنه ينتقل من عرض الوسادة إلى عرض القفا، ومنه إلى المقصود" [1] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025&page=3#_ftn1).
التعليق:
إن قول المصنف (عريض الوسادة) يشير به إلى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: "إنك لعريض الوسادة " [2]، كما صرح به البلاغيون من الشراح وغيرهم كالعلوي [3] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025&page=3#_ftn3) والسبكي [4] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025&page=3#_ftn4) والبابرتي [5] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025&page=3#_ftn5) والمفتي [6] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025&page=3#_ftn6) وجماعة من المعاصرين [7] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025&page=3#_ftn7) .
والحق أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم هذا ليس من قبيل الكناية، بل من الكلام الذي هو على ظاهره، على تقدير أن وساد عدي غطى الخيطين الأسود والأبيض؛ الليل والنهار، لأنهما المرادان من الخيطين في الآية، وهي قول الله عز وجل: ((وكُلُوا واشْربُوا حتَّى يتبَيَّنَ لَكُمُ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ مِنَ الفَجْرِ)) [البقرة: 187] ويؤيد ذلك أمران:
الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعدي – كما في إحدى روايتي البخاري -: "إن وسادك إذن لعريض أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك" لقوله: إني جعلت تحت وسادتي عقالين.
الثاني: أن حمل قوله صلى الله عليه وسلم: "إن وسادك لعريض" على الكناية عن الغفلة والبلاهة على ما هو معروف عند البلاغيين = مما لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم في تعليمه مَنْ أخطأ في فهم القرآن، وهو مجتهد في معرفة حكم الله والعمل بشرعه، كيف وظاهر اللفظ معه؟ ولهذا أنزل الله زيادةً في البيان قوله: ((مِنَ الفَجْرِ)) [8] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025&page=3#_ftn8) ، ويؤيد عذر عدي في ذلك الفهم والاجتهاد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بقضاء صوم الأيام التي أكل فيها إلى أن تبين له العقال الأبيض من الأسود، وهذا ما درج عليه المحققون في شرح الحديث.
وعلى ذلك فاستشهاد البلاغيين بهذا الحديث في باب الكناية غلط منهم، ولم يوافقهم عليه أحد من العلماء. قال أبو العباس القرطبي:" قوله "إن وسادك لعريض" حمله بعض الناس على الذم له على ذلك الفهم، وكأنه فهم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه. وربما عضدوا هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إنك لعريض القفا" [9] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025&page=3#_ftn9) وليس الأمر كذلك، فإنه حَمَل اللفظ على حقيقته اللسانية، إذ هي الأصل، إذ لم يتبين له دليل التجوز، ومن تمسك بهذا الطريق لم يستحق ذماً، ولا ينسب إلى جهل، وإنما عنى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم – والله أعلم – أن وسادك إن غطّى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هما الليل والنهار، فهو إذن وساد عريض واسع، إذ قد شملهما وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: "إنما هو سواد الليل وبياض النهار" فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وساد؟ وإلى هذا يرجع قوله: "إنك لعريض القفا" لأن هذا الوساد الذي قد غطّى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه ولا يتوسده إلا قفاً عريض، حتى يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه وأليق" [10].وبنحو ذلك قال القاضي عياض رحمه الله [11] (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=4025&page=3#_ftn11).
ــــــــــــــــــــــ
[1] الإيضاح (458) " مبحث الكناية ".
[2] رواه البخاري (4/ 1640) رقم (4239، 4240) ومسلم (2/ 766) رقم (1090) عن عدي بن حاتم رضي الله عنه.
[3] الطراز (1/ 429).
[4] عروس الأفراح (4/ 257) " شروح التلخيص ".
[5] شرح التلخيص (603).
[6] خلاصة المعاني (398).
[7] ينظر: تفسير التحير والتنوير (2/ 185) الأسلوب الكنائي لمحمود شيخون (72).
[8] أخرج البخاري (4/ 1640) رقم (4241) ومسلم (2/ 767) رقم (1091) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أنزلت: ((وكُلُوا واشْربُوا حتَّى يتبَيَّنَ لَكُمُ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ مِنَ الفَجْرِ)) ولم ينزل ((مِنَ الفَجْرِ)) وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده ((مِنَ الفَجْرِ)) فعلموا أنما يعني الليل من النهار" هذا لفظ البخاري.
[9] صحيح البخاري (4/ 1640) رقم (4240).
[10] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (3/ 148).
[11] إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 26).
¥