وَمِمَّا رُوعِيَ فِي اخْتِيَارِ الْأَمْثِلَةِ: أَن تَكُونَ أَدَبِيَّةً رَفِيعَةً، تُرَبِّي عَلَى الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَتُقَوِّمُ السُّلُوكَ، وَقَدْ قَصَدتُّ أَن تَكُونَ مِنَ الْقُرْآنِ -مَا أَسْعَفَنِي الْوَزْنُ، وَمَكَّنَتْنِي الْقَافِيَةُ، وَهَدَانِي الْحَالُ-؛ لِأَنَّهُ كِتَابُ الْهِدَايَةِ وَالرَّشَادِ، وَرُبَّمَا أَشَرْتُ إِلَى? مَعَانِيهَا فِي هَ?ذَا الْحَلِّ سَرِيعًا.
وَمِن مَحَاسِنِهِ أَنَّهُ يَتَجَافَى? عَنْ عُيُوبِ عِلْمِ الْعَرُوضِ وَالْقَوَافِي الَّتِي طَفَحَتْ بِهَا الْأَنظَامُ الْعِلْمِيَّةُ، وَذَ?لِكَ كَمِثْلِ التَّضْمِينِ، وَالتَّذْيِيلِ، وَالسِّنَادِ ... ، وَغَيْرِهَا؛ فَقَدْ تَنَزَّهَ النَّظْمُ مِنْهَا؛ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا كَهَيْئَةِ الْحِلْيَةِ فِي الْأَنظَامِ الْعِلْمِيَّةِ؛ يَحْمِلُ عَلَيْهِ السَّلَاسَةُ وَاطِّرَاحُ التَّكَلُّفِ، وَذَ?لِكَ أَمْرٌ مَأْنُوسٌ، لَا يَزَالُ كِبَارُ النُّظَّامِ لِمَهْيَعِهِ سَالِكِينَ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاظِمِينَ يَتَسَمَّحُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَنبَغِي الْوُقُوعُ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَمَّهُمُ الْفِكْرَةُ وَالْمَعْلُومُ، وَأَمَّا السِّيَاجُ الْوَاقِي وَالْوِعَاءُ الْحَافِظُ؛ فَيَرَوْنَ لِتَجْوِيدِهِ مَحَلَّةً أُخْرَى?؛ فِي مَقَامَاتِ الشِّعْرِ وَنَوَادِيهِ، وَمُوَافَقَةُ الْأَوْلَى? أَوْلَى?؛ عَلَى? كُلِّ حَالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَثَلُ هَ?ذَا النَّظْمِ فِي أَنظَامِ الْكِتَابِ مَثَلُ «كَشْفِ الْعَمَى? وَالرَّيْنِ»، يَقُولُ فِيهِ نَاظِمُهُ مُحَمَّدٌ الْعَاقِبُ بْنُ مَا يَابَى الْجَكَنِيُّ رحمه الله فِي إِثْرِ كَلَامٍ عَلَى? بَعْضِ مَنْ أَلَّفَ قَبْلَهُ:
وَقَدْ نَحَاهُ فَارِسُ الْمَيْدَانِ ** غَوَّاصُ بَحْرِ دُرَرِ الْمَعَانِي
فَصَاغَ مَا يُطَوِّقُ الرِّقَابَا ** فِيهِ وَأَبْدَى الْعَجَبَ الْعُجَابَا
فَلَمْ يَرُم مَبْنَاهُ ذُو ارْتِجَالِ ** وَلَمْ يَحُكْ لَهُو عَلَى مِنْوَالِ
لَ?ـكِنَّهُ مِنْ خَشْيَةِ الْإِطْنَابِ ** لَمْ يَكْتَرِثْ بِالصَّرْفِ وَالْإِعْرَابِ
فَيُورِدُ الْأَلْفَاظَ كَاللُّغَيْزَى? ** وَلَا يَرَى? بَيْنَ الْمَنَاحِي مَيْزَا
فَجِئْتُ إِذْ ذَاكَ بِنَظْمٍ شَافِيْ ** يُبْدِي اللَّآلِئَ مِنَ الْأَصْدَافِ
خَالٍ مِنَ التَّضْمِينِ وَالْإِقْوَاءِ ** وَوَصْمَةِ السِّنَادِ وَالْإِيطَاءِ
وَلِذَ?لِكَ قَالَ: (فَكَانَ نَعْشُهُ) أَيْ: نَعْشُ الْمُسْتَرْوِي وَنَفْعُهُ وَإِفَادَتُهُ، قَالَ فِي «الْمُوَطَّأَةِ»:
وَقَدْ نَعَشْتُ صَاحِبِي رَفَعْتُهُ ** أَقَلْتُهُ أَفَدتُّهُ نَفَعْتُهُ
فَانقَضَى? ذَ?لِكَ النَّعْشُ -عَلَى? مَا ذُكِرَ مِنَ الْوَصْفِ- فِي حَالِ كَوْنِهِ (بِتَيْسِيرِ) رَبِّهِ (الصَّمَدِ) سُبْحَانَهُ؛ الَّذِي تَصْمُدُ إِلَيْهِ الْمَخْلُوقَاتُ فِي حَوَائِجِهَا، أَيْ: تَقْصِدُهُ، وَهَ?ذَا تَلْمِيحٌ إِلَى? أَنَّ النَّظْمَ مِن مَدَدِهِ سُبْحَانَهُ وَعَوْنِهِ؛ فَلَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ.
وَانَقَضَى النَّعْشُ فِي حَالِ كَوْنِهِ (فَرْطًا) أَيْ: سَبْقًا إِلَى? مَوْرِدِ الْمَاءِ الَّذِي حِيَاضُهُ مِنَ النَّظْمِ الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ الْمُفِيدِ.
فَحَصَلَتِ الْإِجَابَةُ (مِن) الْعَبْدِ (الضَّعِيفِ)، وَهُوَ (يَسْعَى? فِي كَبَدٍ) أَيْ: شِدَّةٍ وَمَشَقَّةٍ، بَعْدَ أَن كَادَ يَنقَطِعُ؛ لِقِلَّةِ الْمُعِينِ، وَتَشَتُّتِ الْبَالِ، وَضِيقِ الْحَالِ، وَصَرْفِ نَوَائِبِ الدَّهْرِ.
وَأَسْأَلُ اللَّهِ تَعَالَى? كَمَا هَدَى? لِاخْتِيَارِه، وَأَعَانَ عَلَى? إِتْمَامِهِ: أَن يُخَلِّصَ السَّعْيَ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَيَنفَعَ بِهِ كُلَّ مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُتِمَّ عَلَيْنَا نِعْمَتَهُ، وَيُزِيلَ عَنَّا الصَّوَارِفَ وَالْحُجُبَ؛ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
فاصل1فاصل2فاصل2فاصل1
ـ[أبو محمد يونس المراكشي]ــــــــ[20 - 05 - 2014, 10:14 م]ـ
الشكر لكم أَنتم شيخي الكريم على هذه الفوائد الجَليلة، بارك الله فيكم وجَزاكم خيرا وفّقكم لكلِّ خيرٍ.
ونحن إِن شاء الله من المتابعين.
ـ[خبيب بن عبدالقادر واضح]ــــــــ[21 - 05 - 2014, 03:57 م]ـ
¥