وَالْإِشَارَةُ إِلَى? مَا أَمَامَكَ مِنَ الْمَنظُومةِ، وَقَدْ عَرَّفَكَ مَأْخَذَهَا، وَبَيَّنَ لَكَ أَنَّهَا حِكَايَةٌ لِكِتَابِ «الْإِعْرَابِ»، وَشَرْحِهِ «مُوصِلِ الطُّلَّابِ»، مِمَّا يَتَّفِقُ عَقْدُهُ، وَيُفْتَحُ بِتَقْرِيبِه.
وَلَا أَنظِمُهُ حَرْفًا حَرْفًا، بَلْ أُبْقِي وَأَذَرُ، وَبَالَتِي بِالْقَوَاعِدِ وَالْأُصُولِ، وَأَمَّا الْأَمْثِلَةُ والتَّطْبِيقَاتُ وَالتَّنبِيهَاتُ فَآتِي مِنْهَا بِمَا يُوَائِمُ؛ عَلَى? جَادَّةِ النَّظْمِ، وَأَزِيدُهُ -إِن شَاءَ اللَّهُ- مَسَائِلَ وَأَمْثِلَةً.
وَالْتَزَمْتُ تَرْتِيبَ ابْنِ هِشَامٍ فِي الشَّائِعِ مِن كَلَامِهِ؛ وَرُبَّمَا خَالَفْتُهُ قَلِيلًا؛ لِنُكْتَةٍ عَارِضَةٍ؛ مِن جَمْعِ النَّظِيرِ، وَالتَّقْرِيبِ وَالتَّحْرِيرِ، وَفَاتَنِي شَيْءٌ مِن ذَ?لِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَاهِيَ الْقَوَاعِدُ مَسُوقَةً إِلَيْكَ حَالَ كَوْنِهَا مَنظُومَةً (فِي رَجَزٍ) سَهْلٍ حِفْظُهُ مُحْكَمٍ بِنَاؤُهُ سَلِسَةٍ عِبَارَاتُهُ، يَسِيلُ (كَـ) سَيَلَانِ (الْمَاءِ فِي الْمِيزَابِ)، وَالْمِيزَابُ هُوَ مَسِيلُ الْمَاءِ مِن مَوْضِعٍ عَالٍ، وَيُقَالُ لَهُ: الْمَثْعَبُ أَيْضًا، وَفِي حَدِيثِ الْحَوْضِ: «يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ».
(دَعَاهُ) وَاقْتَضَاهُ مُتَعَلِّمٌ (مُسْتَرْوٍ) أَيْ: طَالِبٌ لِلرِّيِّ، يُرِيدُ أَن يَرْوَى? (بِنَظْمٍ يُعْتَمَدُ) فِي هَ?ذَا الشَّأْنِ؛ لِيُحْفَظَ وَيُدْرَسَ. وَعَبَّرَ بِالرِّيِّ؛ لِمُنَاسَبَةِ الْمَاءِ وَالْمِيزَابِ.
وَسُؤَالُ الْمُسْتَرْوِي كَانَ بِلِسَانِ الْحَالِ، لَا لِسَانِ الْقَالِ، وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ الْمَامِيُّ الشِّنقِيطِيُّ فِي «خُطْبَةِ نَظْمِ الْمُخْتَصَرِ»:
لَكِن! سُؤَالٌ بِلِسَانِ الْحَالِ ** أَبْلَغُ عُرْفًا مِن لِسَانِ الْقَالِ
وَهَ?ذَا النَّظْمُ الْمُعْتَمَدُ (يَجْمَعُ بَيْنَ) شَيْئَيْنِ مَقْصُودَيْنِ لِحَافِظِ الْأَنظَامِ:
- (حُسْنِ سَبْكٍ) وَجَوْدَةِ بِنَاءٍ؛ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ اسْتِظْهَارُهُ وَتَذَكُّرُهُ؛ وَهَ?ذِهِ الْفَائِدَةُ لَفْظِيَّةٌ.
- (وَسَدَدٍ) أَيْ سَدَادٍ وَاسْتِقَامَةٍ وَصَوَابٍ فِي الْقَدَرِ الْمَبْثُوثِ فِي الْمَتْنِ؛ مِنْ حَيْثُ اسْتِيعَابُهُ، وَمُنَاسَبَتُهُ، وَصِحَّةُ مَسَائِلِهِ، وَتَخَيُّرُ شَوَاهِدِهِ وَمُثُلِهِ، وَغَيْرُ ذَ?لِكَ؛ لِيَطْمَئِنَّ مُتَلَقِّيهِ إِلَى? مَا فِيهِ، وَيَحْصُلَ لَهُ مِنْهُ الْمَأْمُولُ مِنَ الدَّرْسِ؛ وَهَ?ذِهِ الْفَائِدَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ.
وَالنَّظْمُ قَدْ اسْتَوْلَى? عَلَيْهِمَا بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَلَمْ أُبَالِغْ فِي اخْتِصَارِ لَفْظِهِ ** رَجَاءَ يُسْرِ فَهْمِهِ وَحِفْظِهِ
وَمِمَّا يُحَبَّذُ فِي جَانِبِ اللَّفْظِ: الثَّرَاءُ اللُّغَوِيُّ؛ لِتَنْمِيَ مَادَّةُ الْحَافِظِ اللُّغَوِيَّةُ، وَتَقْوَى? قَرِيحَتُهُ، وَيَكْتَسِبَ مَلَكَةَ الْبَيَانِ؛ كَمَا هِيَ عَادَةُ مَهَرَةِ النَّاظِمِينَ؛ أَمْثَالَ أَبِي الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيِّ رحمه الله.
وَمِمَّا يُطْلَبُ فِي جَانِبِ الْمَعْنَى: الِاسْتِشْهَادُ وَالتَّمْثِيلُ؛ لِتَسْتَقِرَّ الْقَوَاعِدُ وَالْمَسَائِلُ فِي ذِهْنِ الدَّارِسِ لِلنَّظْمِ، وَيَتَيَسَّرَ لَهُ بَثُّهَا فِي مَن يَلِيهِ.
وَكَانَ مِن طَرِيقَةِ النَّظْمِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ اعْتِنَاؤُهُ بِهَذَيْنِ الْجَانِبَيْنِ؛ مِنْ أَجْلِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ وَالتَّمْثِيلِ إِلَّا مَا هُوَ وَاضِحٌ مَعْرُوفٌ.
وَجُمْهُورُ الْمُثُلِ كَانَ مِن قَبِيلِ الشَّوَاهِدِ؛ لِأَنَّهَا -عِلَاوَةً عَلَى? تَوْضِيحِ الْمُرَادِ- تَكْسِبُ الْمَسْأَلَةَ قُوَّةً، وَتَجْعَلُ الِاحْتِجَاجَ لَهَا عَلَى? طَرَفِ الثُّمَامِ.
فَهُوَ بِمُثُلِهِ وَثِيقَةٌ وَافِرَةٌ تَغْنَى? عَنِ الْبَحْثِ وَالْمُرَاجَعَاتِ. وَأَنتَ وَاجِدٌ ذَ?لِكَ بِنَفْسِكَ فِي أَثْنَائِهِ.
¥