وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ رحمه الله: «إِنَّ ضَبْطَ الْأُمُورِ الْمُنتَشِرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي الْقَوَانِينِ الْمُتَّحِدَةِ: هُوَ أَوْعَى? لِحِفْظِهَا، وَأَدْعَى? لِضَبْطِهَا، وَهِيَ إِحْدَى? حِكَمِ الْعَدَدِ الَّتِي وُضِعَ لِأَجْلِهَا.

وَالْحَكِيمُ إِذَا أَرَادَ التَّعْلِيمَ = لَا بُدَّ لَهُ أَن يَجْمَعَ بَيْنَ بَيَانَيْنِ: إِجْمَالِيٍّ تَتَشَوَّفُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَتَفْصِيلِيٍّ؛ تَسْكُنُ إِلَيْهِ» ?هـ.

وَأَخْرَجَهُ الْقَرَافِيُّ رحمه الله عَلَى? مَعْرُوفِ عِلْمِ الْفِقْهِ فَقَالَ: «مَن جَعَلَ يُخْرِجُ الْفُرُوعَ بِالْمُنَاسَبَاتِ الْجُزْئِيَّهْ دُونَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّهْ = تَنَاقَضَتْ عَلَيْهِ الْفُرُوعُ، وَاخْتَلَفَتْ، وَتَزَلْزَلَتْ خَوَاطِرُهُ فِيهَا، وَاضْطَرَبَتْ، وَضَاقَتْ نَفْسُهُ لِذَ?لِكَ، وَقَنَطَتْ، وَاحْتَاجَ إِلَى? حِفْظِ الْجُزْئِيَّاتِ الَّتِي لَا تَتَنَاهَى?، وَانتَهَى الْعُمُرُ وَلَمْ تَقْضِ نَفْسُهُ مِن طَلَبِ مُنَاهَا.

وَمَن ضَبَطَ الْفِقْهَ بِقَوَاعِدِهِ = اسْتَغْنَى? عَن حِفْظِ أَكْثَرِ الْجُزْئِيَّاتْ؛ لِاندِرَاجِهَا فِي الْكُلِّيَّاتْ، وَاتَّحَدَ عِندَهُ مَا تَنَاقَضَ عِندَ غَيْرِهِ وَتَنَاسَبْ، وَأَجَابَ الشَّاسِعَ الْبَعِيدَ وَتَقَارَبْ، وَحَصَّلَ طَلِبَتَهُ فِي أَقْرَبِ الْأَزْمَانْ، وَانشَرَحَ صَدْرُهُ لِمَا أَشْرَقَ فِيهِ مِنَ الْبَيَانْ.

فَبَيْنَ الْمَقَامَيْنِ شَأْوٌ بَعِيدْ، وَبَيْنَ الْمَنزِلَتَيْنِ تَفَاوُتٌ شَدِيدْ» ?هـ.

وَمِن قَبْلُ أَشَارَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ فَارِسٍ رحمه الله إِلَى? بَعْضِ ذَ?لِكَ فِي لَفْتَةٍ حَسَنَةٍ.

وَنَظَمَ ابْنُ عُثَيْمِينَ رحمه الله هَ?ذَا الْمَعْنَى? أَيْضًا بِقَوْلِهِ:

وَبَعْدُ؛ فَالْعِلْمُ بُحُورٌ زَاخِرَهْ ** لَن يَبْلُغَ الْكَادِحُ فِيهِ آخِرَهْ

لَ?ـكِنَّ فِي أُصُولِهِ تَسْهِيلَا ** لِنَيْلِهِ، فَاحْرِصْ تَجِدْ سَبِيلَا

?غْتَنِمِ الْقَوَاعِدَ الْأُصُولَا ** فَمَن تَفُتْهُ يُحْرَمِ الْوُصُولَا

وَقَالَ قَبْلَهُ الْقِنَائِيُّ فِي «نَظْمِ قَوَاعِدِ الْإعْرَابِ»:

وَبَعْدُ؛ فَالْعِلْمُ بِغَيْرِ قَاعِدَهْ ** يُبْنَى? عَلَيْهَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَهْ

فَهْيَ ضَرُورَةٌ لِمَن تَعَلَّمَا ** وَحَدُّهَا كَمَا أَفَادَ الْعُلَمَا:

قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ قَدْ عُرِّفَتْ ** أَحْكَامُ جُزْئِيَّاتِهَا فَعُرِفَتْ

وَأَنشَدُوا فِي هَ?ذَا الْمَعْنَى? أَيْضًا:

وَكَائِنْ رَأَيْنَا مِن فُرُوعٍ كَثِيرَةٍ ** تَضِيعُ إِذَا لَمْ تَحْمِهِنَّ أُصُولُ

هَ?ذِهِ مُقَدِّمَاتٌ حَسَنَةٌ، أَوْجَبَهَا فَرْطُ النَّصِيحَةِ لِلْإِخْوَانِ، فَمَا أَشْدَّ غَفْلَةَ طَلَبَةِ زَمَانِنَا عَن آدَابِ التَّحْصِيلِ؛ مَعْرِفَةً، وَالْتِزَامًا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَذِكْرُ الْحِفْظِ وَالْقَوَاعِدِ يُوجِبُهُ -كَذَ?لِكَ- مَوْضُوعُ هَ?ذَا النَّظْمِ؛ فَهُوَ نَظْمٌ يُحْفَظُ، وَقَدِ انتَظَمَ قَوَاعِدَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.

* * *

ثُمَّ صَارَ إِلَى الْكَلَامِ عَلَى الْمَنظُومَةِ؛ فَقَالَ -غَفَرَ اللَّهُ لَهُ-: (وَ) إِذَا عَلِمْتَ مَا قَدَّمْتُ لَكَ فَـ (هَ?ذِهِ) أَيُّهَا الْمُتَلَقِّي لِلنَّظْمِ؛ بَلَّغَكَ اللَّهُ مُنَاكَ (قَوَاعِدُ الْإِعْرَابِ) وَهِيَ الْكِتَابُ الْمَشْهُورُ الْمُلَقَّبُ بِـ «الْإِعْرَابِ عَن قَوَاعِدِ الْإِعْرَابِ»، الْمَنسُوبُ (لِـ) ـعَلَّامَةِ النَّحْوِ فِي زَمَانِهِ، أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِاللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْمَعْرُوفِ بِـ (ابْنِ هِشَامٍ) الْأَنصَارِيِّ الْمُتَوَفَّى? سَنَةَ إِحْدَى? وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِئَةٍ رحمه الله، (عَالِمِ الْآدَابِ) أَيْ: عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ، (وَ) مَعَهَا (مُلَحٌ) مُمْتِعَةٌ نَافِعَةٌ، وَلَطَائِفُ مُهِمَّةٌ جَامِعَةٌ، تُكَمِّلُ فَائِدَتَهَا، وَتُقَرِّبُ عَائِدَتَهَا (مِن) شَرْحِهَا الْمَوْسُومِ بِـ (مُوصِلِ الطُّلَّابِ) لِلشَّيْخِ خَالِدٍ الْأَزْهَرِيِّ الْمُتَوَفَّى? سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِمِئَةٍ رحمه الله.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015