وَقَدْ قِيلَ: مَا تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ مِن جَيِّدِ الْمَنثُورِ أَكْثَرُ مِمَّا تَكَلَّمَتْ بِهِ مِن جَيِّدِ الْمَنظُومِ، فَمَا حُفِظَ مِنَ الْمَنثُورِ عُشُرُهُ، وَلَا ضَاعَ مِنَ الْمَنظُومِ عُشُرُهُ» ?هـ.
وَ «الشِّعْرُ وَفْقُ الذَّكِيِّ وَالْبَلِيدِ الْفَهْمِ؛ لِأنَّهُ مُلَائِمٌ لِمِزَاجِ النَّفْسِ؛ بِاعْتِدَالِ مَطَالِعِهِ وَمَقَاطِعِهِ، وَلِذَ?لِكَ كَانَ مَحَلَّ الْغِنَاءِ؛ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُتَنَاسِبُ الْبَدَءَاتِ وَالْعَوْدَاتِ.
وَقَالَ الْخَفَّاجِيُّ فِي فَضْلِ الْمَنظُومِ عَلَى الْمَنثُورِ: إِنَّهُ قَلَّ أَن تَجِدَ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَحْفَظُ شِعْرًا، وَقَلَّ أَن تَجِدَ مَن يَحْفَظُ نَثْرًا، وَوَجَدْنَا عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ الْعَامَّةِ تَمِيلُ نُفُوسُهُمْ إِلَى? نَظْمِ الشِّعْرِ، لَا إِلَى? تَلْفِيقِ النَّثْرِ» ?هـ.
هَ?ذَا حَدِيثٌ عَنِ الشِّعْرِ، وَالنَّظْمُ الْعِلْمِيُّ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِهِ.
وَمَن عَرَفَ سَبِيلَ الْعِلْمِ، وَكَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ فِي تَحْصِيلِهِ، وَذُكِّرَ بِبَعْضِ فَضَائِلِهِ؛ فَلَا جَرَمَ أَنَّهُ يَحْرِصُ عَلَيْهِ، وَيَبْذُلُ مُهْجَتَهُ فِيهِ، فَنَاسَبَ أَن يَنصَحَهُ قَائِلًا؛ (فَاغْتَنِمَنَّ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (طُولَ مَا فِي الْعَمْرِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ (مِن نَفَسٍ) وَقُوَّةٍ وَعَزْمٍ (فِي دَرْكِ) أَيْ: إِدْرَاكِ (رَأْسِ الْأَمْرِ) الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ؛ فَإِنَّ بِهِ تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعَالَى?، وَعِبَادَتَهُ، وَالتَّخَلُّقَ بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي عَلَيْهَا خِيَارُ الْخَلْقِ، فَهُوَ سَبِيلُ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ مُنبَعَثُ الطَّاعَاتِ -كَمَا ذَكَرْنَا-، فَكَانَ رَأْسَ أَمْرِ الْإِنسَانِ؛ إِذَا سَارَ بِهِ عَلَى? صَوَابٍ.
وَفِي هَ?ذَا إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ لِأَهَمِّيَّةِ الْإِخْلَاصِ فِي الطَّلَبِ؛ إِذْ مَا مِن شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَةِ وَالثَّوَابِ إِلَّا وَابْتِغَاءُ وَجْهِ اللَّهِ لَازِمٌ فِيهِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِأَهَمِّيَّةِ لُزُومِ جَادَّةِ الْأَوَّلِينَ فِي كَيْفِيَّةِ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهَا مَعْنَى الْمُتَابَعَةِ الَّتِي هِيَ الْمِيزَانُ الظَّاهِرِيُّ لِكُلِّ عَمَلٍ شَرْعِيٍّ.
* * *
ثُمَّ ذَكَرَ أَدَبًا آخَرَ مِنْ أَهَمِّ آدَابِ التَّحْصِيلِ فَقَالَ: (وَلْتُعْنَ بِالْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ) الَّتِي يُبْنَى? عَلَيْهَا غَيْرُهَا مِن مَسَائِلِ الْعِلْمِ وَفُرُوعِهِ وَجُزْئِيَّاتِهِ؛ (فَإِنَّهَا مُجْتَمَعُ) أَيْ: مَحَلُّ اجْتِمَاعِ (الْفَوَائِدِ) وَالْفُرُوعِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي رُبَّمَا خَفِيَ مَا بَيْنَهَا مِن تَنَاسُبٍ، فَإِذَا مَا رُدَّتْ إِلَى? أَصْلِهَا اتَّضَحَ حُكْمُهَا، وَانمَازَ مَوْضِعُهَا.
(وَفَرْعُهَا) أَيْ: أَعْلَى? وَأَشْرَفُ ثَمَرَاتِهَا -فَفَرْعُ كُلِّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ- أَنَّهَا (أَسْرٌ) أَيْ: شَدٌّ وَتَقْيِيدٌ (لِكُلِّ) مَعْنًى (آبِدِ) أَيْ: مُتَوَحِّشٍ نَافِرٍ، وَهُوَ (مُقْتَنَصٌ) أَيِ: اقْتِنَاصٌ وَصَيْدٌ (لِـ) كُلِّ دَقِيقٍ مِنَ الْفَوَائِدِ (شَارِدٍ) بَعِيدٍ (وَزَائِد) خَفِيٍّ، وَهَ?ذَا تَكْرَارٌ لِلتَّوْكِيدِ.
وَفِي ذَاتِ الْمَعْنَى? يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: «إِنَّ مَعْرِفَةَ أُصُولِ الْأَشْيَاءِ وَمَبَادِئِهَا ... وَأَصْلِ مَا تَوَلَّدَ فِيهَا = مِنْ أَعْظَمِ الْعُلُومِ نَفْعًا؛ إِذِ الْمَرْءُ مَا لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا = يَبْقَى? فِي قَلْبِهِ حَسَكَةٌ» ?هـ.
وَيَقُولُ -أَيْضًا-: «لَا بُدَّ أَن يَكُونَ مَعَ الْإِنسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ يَرُدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتِ؛ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، ثُمَّ يَعْرِفُ الْجُزْئِيَّاتِ: كَيْفَ وَقَعَتْ؟ وَإِلَّا فَيَبْقَى? فِي كَذِبٍ وَجَهْلٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، وَجَهْلٍ وَظُلْمٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ، فَيَتَوَلَّدُ فَسَادٌ عَظِيمٌ» ?هـ.
¥