وَالْقُرْآنَ الْقُرْآنَ! تَعَاهَدُوهُ بِالْحِفْظِ، وَأَحْيُوهُ بِالتِّلَاوَةِ، وَرَبُّوا أَلْسِنَتَكُمْ عَلَى الِاسْتِشْهَادِ بِهِ فِي اللُّغَةِ وَالْقَوَاعِدِ، وَعَلَى الِاسْتِشْهَادِ بِهِ فِي الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ، وَعَلَى الِاسْتِظْهَارِ بِهِ فِي الْجَدَلِ، وَعَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ فِي الِاعْتِبَارِ بِسُنَنِ اللَّهِ فِي الْكَوْنِ» ?هـ.

وَالْكَلَامُ فِي هَ?ذَا يَطُولُ.

وَالْمَقَامُ الْآنَ فِي الْحِفْظِ، فَقَالَ: (وَأَحْسَنُ الْمَحْفُوظِ) أَي: الَّذِي يُرَادُ حِفْظُهُ مِن مُتُونِ الْعِلْمِ وَكُتُبِهِ الْجَوَامِعِ = هُوَ (نَظْمُ الشِّعْرِ)، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ.

وَإِنَّمَا كَانَ حِفْظُ الشِّعْرِ أَحْسَنَ (لِأَنَّهُ سَهْلٌ) حِفْظُهُ؛ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ، فَحِفْظُ الْكَلَامِ الْمَنظُومِ أَسْهَلُ؛ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَالنَّظْمُ (قَرِيبُ الذِّكْرِ) عِندَ الِاسْتِحْضَارِ، فَمَنْ أَرَادَ أَن يَنزِعَ بِبَيْتٍ أَوْ أَبْيَاتٍ؛ فَهِيَ عِندَهُ حَاضِرَةٌ دُونَ كُلْفَةٍ؛ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ النَّظْمُ سَلِسَ الْعِبَارَةِ مُحْكَمَ الْبِنَاءِ طَيِّعًا، وَكَانَ الْحِفْظُ لَهُ مُتْقَنًا جَيِّدًا.

وَهَاتَانِ فَائِدَتَانِ مِن فَوَائِدِ حِفْظِ الْأَنظَامِ الشِّعْرِيَّةِ، وَهُمَا: سُهُولَةُ الْحِفْظِ، وَيُسْرُ الِاسْتِحْضَارِ، وَلِحِفْظِ النَّظْمِ فَوَائِدُ أُخْرَى?، مِنْهَا: بَقَاؤُهُ فِي الذَّاكِرَةِ، وَهُوَ مُتَضَمَّنٌ لِقُرْبِ إِحْضَارِهِ؛ كَمَا تَرَى?. وَمِنْ هُنَا قَالَ فِي «لَآلِئِ التِّبْيَانِ» فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ:

وَبَعْدُ؛ فَالْفَضْلُ إِلَى الْمُتُونِ ** يَعُودُ؛ مَهْمَا حُزْتَ مِن فُنُونِ

لِأَنَّهَا خُلَاصَةٌ عِلْمِيَّهْ ** يَنقُلُهَا الْعَقْلُ إِلَى الْبَرِيَّهْ

بِخِلَافِ النَّثْرِ؛ فَحَافِظُهُ يَجِدُ مِنَ الْعَنَتِ عِندَ حِفْظِهِ، وَعِندَ اسْتِظْهَارِهِ؛ مَا يَجِدُ، ثُمَّ مَعَ هَ?ذَا لَا يَلْبَثُ أَن يَفِرَّ مِنْهُ، فَيَنسَاهُ، وَلَا يَعْلَقُ بِالذَّاكِرَةِ إِلَّا بِتَعَاهُدٍ دَائِمٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ الْمَامِيُّ الْمُبَارَكِيُّ الشِّنقِيطيُّ فِي «نَظْمِ دَلَائِلِ الْخَيْرَاتِ»:

وَالنَّثْرُ حِفْظُهُ مِنَ الْقَلَائِلِ ** لَا سِيَّمَا إِن كَانَ كَالدَّلَائِلِ

وَالنَّظْمُ قَهْرًا دَاخِلُ الْأَلْبَابِ ** مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ لِافْتِتَاحِ الْبَابِ

وَالْبَيْتُ الْمَشْرُوحُ مُسْتَلٌّ مِن «نَظْمِ الْفَصِيحِ» لِابْنِ أَبِي الْحَدِيدِ، وَفِيهِ يَقُولُ:

وَبَعْدُ فَالْعِلْمُ إِذَا لَمْ يَنضَبِطْ ** بِالْحِفْظِ لَمْ يَنفَعْ وَمَنْ مَارَى? غَلِطْ

وَأَسْهَلُ الْمَحْفُوظِ نَظْمُ الشِّعْرِ ** لِأَنَّهُ أَحْضَرُ عِندَ الذِّكْرِ

وَقَد تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي فَضْلِ الشِّعْرِ كَثِيرًا، وَفِيهِ قِيلَ: «قَدْ رَكَّبَ اللَّهُ ? فِي جِبِلَّةِ كُلِّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ التَّلَذُّذَ بِسَمَاعِهِ، وَالِاسْتِطَابَةَ بِأَلْحَانِهِ؛ بِخِلَافِ النَّثْرِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ مَنثُورًا: تَبَدَّدَ فِي الْأَسْمَاعْ، وَتَدَحْرَجَ عَنِ الطِّبَاعْ، وَلَمْ تَسْتَقِرَّ مِنْهُ إِلَّا اللَّفْظَةُ الْمُفْرِطَةُ فِي اللُّطْفْ؛ وَإِن كَانَتْ أَجْمَلَهْ، وَالْوَاحِدَةُ مِنَ الْأَلْفْ؛ وَعَسَى? أَن لَا تَكُونَ أَفْضَلَهْ، وَكَمْ سَقَطَ مِنْ أَمْثَالِهَا وَنُظَرَائِهَا لَا يُعْبَأُ بِهِ، وَلَا يُنظَرُ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَخَذَهُ سِلْكُ الْوَزْنِ، وَعِقْدُ الْقَافِيَةِ؛ تَأَلَّفَتْ أَشْتَاتُهْ، وَازْدَوَجَتْ فَرَائِدُهُ وَبَنَاتُهْ، وَاتَّخَذَهُ اللَّابِسُ جَمَالَا، وَالْأَدِيبُ الْعَارِفُ مَالَا، فَصَارَ قُرْطَةَ الْآذَانِ، وَقَلَائِدَ الْأَعْنَاقِ، وَأَمَانِيَ النُّفُوسْ، وَأَكَالِيلَ الرُّءُوسْ، يُقْلَبُ بِاللِّسَانِ، وَيُخْبَأُ فِي الْقَلْبِ، مَصُونًا بِاللُّبِّ.

وَمِن ثَمَّ اعْتَنَوْا بِحِفْظِهِ وَنَقْلِهِ أَكْثَرَ مِنِ اعْتِنَائِهِمْ بِالْمَنثُورِ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015