وَيَبْلُغُ بِمَنْ هَ?ذَا شَأْنُهُ فِي فَهْمِ الْعِلْمِ؛ الَّذِي اقْتَرَنَ بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ = أَن يَتَكَلَّمَ فِي الْخَفِيَّاتِ مِنْهُ وَالْمُشْكِلَاتِ؛ لِأَنَّهُ نِحْرِيرٌ: قَدْ نَحَرَ الْعِلْمَ نَحْرًا، وَالْكَلَامُ فِي دَقَائِقِ الْعُلُومِ لَا يَتِمُّ لِمَنِ رَضِيَ بِالْأَوَائِلِ، وَاكْتَفَى? بِالظَّوَاهِرِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى? إِلَّا لِمَن صَارَ ظَاهِرُ الْعِلْمِ وَبَاطِنُهُ وَأَوَّلُهُ وَآخِرُهُ لَهُ سَوَاءً يَخُوضُ فِي لُجَجِهِ مَا شَاءَ آخِذًا وَتَارِكًا.

وَفِي هَ?ذَا الْمَقَالِ إِشَادَةٌ بِمَنزِلَةِ الْحِفْظِ وَالْفَهْمِ لِلْمُتَعَلِّمِ، وَفِي ضِمْنِهِ أَنَّ بَعْضَهُمَا يَخْدُمُ بَعْضًا، وَلَا يَتَعَارَضَانِ؛ فَالْحِفْظُ يُعِينُ عَلَى الْفَهْمِ وَيُكَمِّلُهُ، وَمِن فَضْلِهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ؛ حَتَّى? يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ»، وَالْفَهْمُ يُيَسِّرُ الْحِفْظَ وَيُثَبِّتُهُ، ومِن فَضْلِهِ تَتِمَّةُ الْحَدِيثِ: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى? مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»، وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا مَعًا؛ لِمَنْ أَرَادَ أَن يَكُونَ عَالِمًا، وَالْأُمَّةُ بِحَاجَةٍ إِلَى الْحَفَظَةِ وَإِلَى الْفَهَمَةِ؛ جَمِيعًا.

وَالدَّندَنَةُ حَوْلَ كَلِمَةٍ لِابْنِ تَيْمِيَّةِ رحمه الله فِي «اقْتَضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ» قَالَ فِيهَا: «?لْفَضْلُ إِمَّا بِالْعِلْمِ النَّافِعِ، أَوْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْعِلْمُ لَهُ مَبْدَأٌ؛ وَهُوَ قُوَّةُ الْعَقْلِ = الَّذِي هُوَ الْحِفْظُ وَالْفَهْمُ، وَلَهُ تَمَامٌ؛ وَهُوَ قُوَّةُ الْمَنطِقِ = الَّذِي هُوَ الْبَيَانُ وَالْعِبَارَةُ ...» ?هـ.

وَالنَّاسُ الْآنَ مُقَصِّرُونَ فِي الْحِفْظِ تَقْصِيرًا فَاحِشًا لَمْ يُعْلَمْ لَهُ نَظِيرٌ؛ وَكَمْ تَسْمَعُ التَّزْهِيدَ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ، وَعَدَّهُ فَضْلًا نَافِلًا!! بَلْهَ السُّنَنَ وَالْآثَارَ، وَمُتُونَ الْفُنُونِ الْجَوَامِعِ! وَهَ?ذَا -فِي الْحَقِيقَةِ- مِنْ عَلَائِمِ نُضُوبِ مَاءِ الْعِلْمِ، وَدُرُوسِ مَعَالِمِهِ؛ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَكَانَ الْعَالِمُ قَدِيمًا يَحْفَظُ الْحِفْظَ الْقَوِيَّ الْمُتْقَنَ؛ كَمَا حَكَمَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ أَبُو زَيْدٍ الْأَنصَارِيُّ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ رضي الله عنه -وَذَكَرَ خُطْبَةً لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَوِيلَةً، دَامَتْ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ- فَقَالَ: «أَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا»، وَكَانَ يُقَالُ قَدِيمًا: «?لْعِلْمُ فَازَتْ بِهِ الْحُفَّاظُ»، وَقِيلَ: «مَا اسْتَفَدْنَا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا مَا حَفِظْنَا»، وَيَقُولُ ابْنُ الْمُرَحَّلِ:

فَاحْفَظْ؛ فَفِي الْحِفْظِ لَكَ انتِفَاعُ

وَيَقُولُ الرَّحْبِيُّ:

فَاحْفَظْ؛ فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ

وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ الدِّنَّاهِ الْأَجْوَدِيُّ:

وَالْعِلْمُ دُونَ حِفْظِهِ لَا يُدْرَكُ ** مَهْمَا سَعَى? فَرْدٌ إِلَيْهِ سَالِكُ

فَالْقَلْبُ لَا يَفْقَهُ إِلَّا مَا اسْتَقَرْ ** مِنَ الْمَبَانِي وَالْمَعَانِي وَالْعِبَرْ

وَالْحِفْظُ لَازِمٌ لِمَن تَعَلَّمَا ** فِي قَوْلِ كُلِّ الْحُكَمَاءِ الْعُلَمَا

وَمَن يَخَلْ عِلْمًا بِدُونِهِ حَصَلْ ** فَذَاكَ وَاهِمٌ؛ فَعَنْهُ لَا تَسَلْ

فَالْعِلْمُ إِنْ حُفِظَ زَانَ وَنَفَعْ ** وَأَخْصَبَ الْفِكْرَ وَلِلْمَرْءِ شَفَعْ

وَمِن قَبْلُ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَأَوْجَزَ:

لَيْسَ بِعِلْمٍ مَا حَوَى الْقِمَطْرُ ** مَا الْعِلْمُ إِلَّا مَا وَعَاهُ الصَّدْرُ

وَفِي نَصِيحَةٍ مِنَ الْعَلَّامَةِ الْأَدِيبِ مُحَمَّدٍ الْبَشِيرِ الْإِبْرَاهِيمِيِّ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ: «لَا تَعْتَمِدُوا عَلَى? حِفْظِ الْمُتُونِ وَحْدَهَا، بَلِ احْفَظُوا كُلَّ مَا يُقَوِّي مَادَّتَكُمُ اللُّغَوِيَّةَ، وَيُنَمِّي ثَرْوَتَكُمُ الْفِكْرِيَّةَ، وَيُغَذِّي مَلَكَتَكُمُ الْبَيَانِيَّةَ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015