وَمِن دَلِيلِ كَوْنِ الْعِلْمِ أَصْلَ عَمَلِ الْقَلْبِ أَنَّ أَوَّلَ مَدَارِجِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى? مَا يَقْذِفُ فِي الْعِبْدِ مِن مَعْرِفَتِهِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْحُبِّ وَالْإِذْعَانِ وَالِانقِيَادِ، ثُمَّ يَكُونُ الْإِقْرَارُ بَعْدَ ذَ?لِكَ، ثُمَّ الْعَمَلُ. فَكَذَ?لِكَ سَائِرُ الْعُلُومِ.

فَإِنَّمَا كَانَ الْعِلْمُ أَهَمَّ؛ لِأَنَّهُ مَبْعَثُ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ؛ إِذْ كُلُّ عَمَلٍ شَرْعِيٍّ لَا بُدَّ أَن يُسْبَقَ بِالْعِلْمِ بِهِ، فَالْعِلْمُ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، لَا جَرَمَ كَانَ أَصْلَ الْعِبَادَاتِ؛ بِهَذَا الْمَعْنَى?، وَلِذَ?لِكَ بَدَأَ اللَّهُ بِهِ نُزُولَ الْوَحْيِ فِي مَا أَنزَلَ مِن سُورَةِ الْعَلَقِ، وَابْتَدَأَ بِهِ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ?فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ?، وَلِذَ?لِكَ التَّقْدِيمِ = امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى? عَلَى? نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم بِهِ؛ فَقَالَ: ?وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَ?بَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا?، وَأَمَرَهُ أَن يَتَزَيَّدَ مِنْهُ؛ فَقَالَ لَهُ: ?وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا?، لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّزَيُّدِ مِن شَيْءٍ غَيْرِهِ، بَلْ قَالَ لَهُ: ?وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى? مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَ?جًا مِنْهُمْ? الْآيَتَيْنِ.

وَإِذًا؛ فَلِلْعِلْمِ شُرُوطٌ وَآدَابٌ، لَا يَصِحُّ إِلَّا بِمُرَاعَاتِهَا؛ كَمَا لِلصَّلَاةِ الظَّاهِرَةِ.

وَمِن فَضَائِلِهِ: أَنَّهُ (يَسْمُو بِهِ) طَالِبُهُ (الْمُجِدُّ) فِي تَحْصِيلِهِ، السَّاعِي فِي سَبِيلِ نَيْلِهِ (فَوْقَ) الْكَوْكَبِ (الدِّرِّيْ)؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى?: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَ?تٍ?.

* * *

(وَ) مِنْ آدَابِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ (لَا غِنَى? لِطَالِبٍ مُسْتَمْرٍ) أَيْ: مُسْتَحْلٍ مُسْتَلِذٍّ (لِسَمْتِهِ) أَيْ: طَرِيقِهِ، وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى? مَنزِلَةِ الْعِلْمِ، وَذَاقَ حَلَاوَتَهُ، وَشَدَا مِنْهُ طَرَفًا، فَلَا غِنَى? لَهُ وَلَا مَندُوحَةَ (عَن مُنَّةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ؛ أَيْ: قُوَّةٍ (فِي الْفِكْرِ) أَيِ: الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الْعَقْلِ مَبْدَأُ سَبِيلِ الْعِلْمِ، وَوَسِيلَةُ نَيْلِهِ، وَ (أَعْنِي بِهَا) -أَيْ: بِهَذِهِ الْمُنَّةِ- شَيْئَيْنِ:

1 - (حِفْظًا)، بِأَن يَكُونَ حَافِظًا لِأُصُولِهِ وَدَلَائِلِهِ وَمَسَائِلِهِ؛ حِفْظَ اسْتِظْهَارٍ وَضَبْطٍ وَإِتْقَانٍ.

2 - (وَفَهْمًا)؛ بِأَن يَكُونَ فَاهِمًا لِجُمَلِهِ وَتَفَاصِيلِهِ، فَهْمًا دَقِيقًا مُسْتَوْعِبًا شَاهِدًا لِأَوْجُهِ التَّشَابُهِ بَيْنَ الْمَسَائِلِ وَأَوْجُهِ الِافْتِرَاقِ، (يَفْرِي) وَيَكْشِفُ مِنْهُ الطَّالِبُ (مَوَاقِعَ الْأَشْيَاءِ)، وَيَقِفُ عَلَى? حَقِيقَتِهَا، وَيَعْرِفُهَا عَلَى? مَا هِيَ عَلَيْهِ.

(حَتَّى? يُضْرِيَـ) ـهُ -بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ- أَيْ: يُجَرِّئَهُ قُوَّةُ فَهْمِهِ وَحِدَّةُ نَظَرِهِ وَاتِّقَادُ قَرِيحَتِهِ عَلَى الْعِلْمِ، وَيُصَيِّرَهُ لَهُ عَادَةً وَإِلْفًا؛ مِن فَرْطِ مُلَازَمَتِهِ وَالْوَلَعِ بِهِ، فَيَكُونُ لِبَاطِنِهِ مَادَّتَهُ؛ بِمَثَابَةِ النَّفَسِ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْبَدَنِ.

وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَدَبَيِ الْحِفْظِ وَالْفَهْمِ فَقَالَ:

فَالْحِفْظُ لِلْأُصُولِ رَأْسُ الْعِلْمِ ** وَالْبَحْثُ فِي الشُّرُوحِ بَابُ الْفَهْمِ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015