ملتقي اهل اللغه (صفحة 12214)

وجَاءَ عن بكر بنِ محمدِ بن أبي الفَضْلِ الأَنْصَاريِّ: أنَّه رُبما كَانَ في ابتداءِ طَلَبِهِ يُكرِّرُ المسْألةَ أربعَ مائة مَرَّةٍ. (8). وسُئِلَ يوماً عن مسألةٍ غريبةٍ فَقَالَ: كَرَّرتُ هَذهِ المسْألةَ لَيلةً في بُرجٍ من حِصْنِ بُخَارَى أربَعَ مائة مرة. (9)

وُنقِلَ عن ابنِ هِشَامٍ أنَّهُ قَرَأَ الألفِيَّةَ ألفَ مَرَّةٍ. (10)

وقدْ كَانَ لصَحِيحِ البُخَاريِّ ومُسْلمٍ عِنَايَةٌ فَائِقَةٌ عندَهُم في التَّكرَارِ، فقد كَرَّرَهُ بعضُهُم مئةَ مَرَّةٍ، وستين مَرَّةً وثلاثين مَرَّةً ... ، ولَعلَّ التَّكرارَ عندَهم مُنْصَبٌ عَلَى أُمَّاتِ الكُتُبِ في كُلِّ فَنِّ كالأحاديثِ والألفيَّةِ والمتُون المعتَمَدة، دونَ سائرِ الكُُتبِ التي إما تقرأ مع الاستظهار وإما تقرأ فقط.

وكَانُوا يَرَونَ أنَّ إعادةَ النَّظَرِ والتَّكرَارِ تُوقِفُ المَرءَ عَلَى مَا لم يَطَّلِعْ عَلَيهِ سَابقاً، لا في المطَالَعَة ولا في الحِفْظِ. قَالَ المزَنِيُّ – رحمه الله -: قَرأتُ (الرِّسَالةَ) خمسَ مِائة مَرَّةٍ، مَا مِنْ مَرَّةٍ إلا واسْتَفدتُ مِنْهَا فَائِدَةً جَديدَةً. وقَالَ أيضاً: أَنَا أَنْظُرُ في (الرِّسَالةِ) من خمسينَ سَنَة، مَا أعْلمُ أنِّي نَظَرتُ فِيهَا مَرَّةً إلا استفدتُ مِنْهَا شَيئاً لم أكُنْ عَرَفْتُهُ (11).

وكان التَّكرَارُ عندَهم إِمَّا بالعَدِّ وإمَّا بالزَّمَنِ، وكُلُّ طَريقةٍ لَهَا مَزِيَّةٌ.

قَال ابنُ الأثيرِ في المَثَلِ السَّائِرِ 1/ 46: " وكُنتُ جَرَّدتُ من الأَخْبَارِ النَّبَويَّةِ كِتَابَاً يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاثةِ آلافِ خَبرٍ كُلُّهَا تَدخُلُ في الاسْتِعمَالِ، ومَا زِلتُ أُوَاظِبُ عَلَى مُطَالَعَتِهِ مُدَّةً تَزيدُ عَلَى عَشْر سنين، فَكنتُ أنهي مُطَالعتَه في كلِّ أسبوعٍ مَرَّةً حَتَّى دَارَ على نَاظِري وخَاطِري ما يزيدُ على خمسِ مائةِ مَرَّة ٍ، وصَارَ محفوظاً لا يَشُذُّ عَني منهُ شَيءٌ ".

وهذا الذي ذَكَره ابنُ الأثير: أنه لا يَشُذُّ عنه منه شيءٌ = هو مَزِيةُ التَّكرَارِ وفَائِدَتُه، فإنَّ الشّيءَ إذا أُعيدَ مَرَّاتٍ كثيرةٍ صَارَ النِّسيانُ فيه قليلٌ، والخَطأُ فيه نَادرٌ. وأنتَ تَرى ذلك في شُؤُونِكَ كُلِّهَا، فالطَّريقُ الذي تَسلُكُهُ في اليومِ مَرَّاتٍ تجد أنَّك قد خَبَرتَه وعَرَفتَه، بتَفَاصِيلِه ودَقَائِقِه.

والتَّكرارُ – أيضاً - دَأبُ كثيرٍ من الفُضَلاءِ المعَاصِرينَ، بل هُوَ المعتَمَدُ في بَعضِ الأَقْطَارِ كَمَا هو مُشتهٌر عن الشَّنَاقِطَةِ، وَأَخبَارُهم في هذا تَطُولُ. (12)

أيُّهَا المبَاركُ:

هذا الذي وَصَفتُهُ لكَ هو الأصلَحُ لغَالبِ طَلَبةِ العلمِ والمهتَمِّينَ به، وأمَّا من رَزَقه الله ذَاكِرةً قَويَّةً مَتِينةً بحيثُ يحفظُ سَريعاً ويَنْسى بَطِيئاً فَهَذا نَادِرٌ لا يُقَاسُ عَليه، وقَليلٌ لا يُنَبَّه عَلَيه، وأمَّا جُلُّ الناسِ فالتَّكرارُ لهم هو: الأصلح. بَلْ قد يُقالُ: طُول تَرديد العلم وتكراره يَحتَاجُه سَرِيعُ الحِفظِ أيضاً، وهذا ظَاهرُ صنيعِ حُفَّاظِ المسلمين، كالبُخَاري وغيره.

وتَكرارُ المحفوظِ يُعين على ضَبطِه وثَبَاته، ويُعين – أيضاً – عِندَ المراجعة؛ لأنَّ الإنسانَ قد تَعتَرضُه الأَعمالُ فيبتعدُ عن مَحفوظَاتِه، فإنْ كانَ قد أَدامَ تكرارها في أوَّلِ حِفظهِ سَهُلَ عليه استِرجَاعُها، وقدْ رأيتُ من أصحَابِ الحفظِ السَّريعِ مَنْ يُعاني في المرَاجَعةِ كالمعَانَاةِ في أوَّل الحفظ بل أشدُّ، حتى إنَّ بعضهم: يخيل إليه أنه مَا مرَّ على حافِظَته منه شيء.

فمن ترك التكرار زاهداً به، معتقداً أنَّ الحفظَ السَّريعَ كَافٍ في رُسُوخِ المحفُوظِ فَهَذَا يُسْرِعُ إليه النِّسيانُ، وتصعُب عليه المراجَعةُ، ولو ظنَّ أوَّلَ أمْرِهِ أنَّه مُتقنٌ، كَحَال العَجُوزِ التي ذَكَرَ خَبَرَها ابنُ الجَوزِيِّ فَقَالَ: " وحَكَى لنَا الحَسَنُ - يعني ابنَ أبي بَكر النَّيسَابُوري- أنَّ فَقِيهاً أعَادَ الدَّرسَ في بَيتِهَ مِرَاراً كثيرة، فقالت لَهُ عَجُوزٌ في بيته: قد والله حفظتُه أنا، فقال: أَعِيدِيهِ فأعادته، فَلَمَّا كانَ بَعدَ أيَّامٍ، قال: يا عجوزُ أعيدي ذلك الدَّرسَ، فقالت: ما أحفظُه، قال: أَنَا

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015