أُكرِّر لئلا يُصيبني مَا أَصَابَك " (13).
وقد رَأينا من طُلابِ العِلمِ من يَقِفُ عن التَّعَلُمِ والطَّلَبِ بعدَ طُولِ سَيرٍ، فإذا سألتَه قال: لم أُحَصلْ شَيْئاً، ولا يَبقَى من حِفظي شيءٌ؛ لأنَّه أَدمنَ الحِفْظَ السَّرِيعَ وأُولِعَ بِهِ، فَصَارَ كالمُنْبَتِّ ... ، وبعضُهم يَنسى العلمَ، ويرجعُ شِبهَ عَاميٍّ في سَنَةٍ إنْ هو شَغَلَتهُ الشَّوَاغِلُ عن حفظه وقراءته؛ والعِلَّةُ: الحفظُ السريعُ.
وهَذا مما يُفَسِّرُ لك – أيُّهَا الموَفَّقُ – أمرين هَامَّين: أحدها: انتشَارُ الثَّقَافةِ السَّطْحيةِ، وغِيابُ العلمِ المؤَثَّلِ الصَّميمِ، فإنَّ السَيرَ عََلى التُؤَدةِ يَقطعُ الهِمَمَ، ويُتعبُ العَجُولَ، والثَّاني: نُدرةُ العًالم الموسُوعي، إذِ الطَّالبُ يفني العمرَ في الفَنِّ والفَنَّينِ علَّه أنْ يستَبقِي حِفظَه، ويُلِمَّ بأطرَافه، فإنْ رَامَ الغَوصَ والتَّعَدُدَ أتعَبَه بناءُه الوَاهنُ وأسَاسُه المتَصَدِّعُ. وهذا هو الذي جعل سلَفَنَا – والله أعلم – ينهَجُون هذا المسْلَك، ويأخذون به.
والتَّكرارُ وإنْ كَانتْ تَصْحَبُه بَعضُ السَّآمةِ ويُلازِمُه التَّرَيثُ، فإنَّه أَبقَى في الذِّهنِ، وأثبت في الحافظة. ولَئِنْ أسرَعَ المرءُ في الحفظ ليَتَأخَّرنَّ في المراجعة ويتعبَ، كما ثَبَتَ ذلك في التجربة،فإنَّ الحفظَ السَّريعَ يُوهمُ الإنسانَ بـ (كثْرةِ التَّحصِيلِ) وأنَّه به يَخْتَصرُ العلمَ، ويُدركُ بالزَّمنِ اليسير، فإذا عَادَ الطَّالبُ إلى هَذا الحفظِ وَجَدَ أرْضَاً قاعاً، وبناءاً مُتَصَدِّعَاً. وفي المثل: رُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبُ رَيْثَاً (14)
وقد كنتُ في أَوَّلِ طَلبي للعلم أجِدُ مَشَقةً في بَقَاءِ الحفظِ ودَوَامِهِ مع حَافظَتي الجيِّدةِ، فَلمَّا عرفتُ هذا المسلكَ، واقْتَعَدتُ هَذهِ الطَّريقةِ يَسَّرَ الله لي ما كنت إليه أصبو، وفيه آملُ، ورأيتُ أنَّ البَونَ شَاسِعٌ، والشُّقةَ كبيرةٌ.
وقد جَرَّبَ التكرارَ عشراتُ الطُلاب في حِفظِهم للقُرآنِ ممن أعرفُهم فوجدوا فيه الغَايَة، واستغْنوا – بَعونِ الله- ثمَّ به عن كُلِّ طَريقةٍ وكُلِّ (دَوْرَة) ...
وقد جَّربَه الفَقِيرُ إلى الله في القُرآنِ وفي المتُونِ والمنْظُومَاتِ والقَصَائِدِ فلم أرَ قطُّ أَحسنَ منه، ولا أشدَّ تثبيتاً ... كيفَ لا؟! وأنتَ تُعيدُ الوجهَ من القرآن، أو الصَّفْحةَ من العِلمَ مائةَ مَرَّةٍ؟ أَفَتَرَى ذلك يَعدلُ من أَخذَهُ في عُجَالَتِه، وَنَقَشَهُ من سَاعَتِه؟!.
فهَذِهِ – أيُّها القارئ – نصيحةُ أخٍ قد جرَّب الطريقةَ وحَلَبَ شَطْرَهَا (15)، فاشدُدْ عليها يَدَكَ، واعزِم عَلَى الأخذِ بها بقُوَّةٍ، وإنْ أتعَبَك هذا الطريقُ فلا تنسَ أنَّهُ طَريقُ من قَبْلَكَ، وأنَّهُ (لا يُستَطاعُ العلم بَراحةِ الجسْمِ)، ومن لَزمَ الصَّبرَ أفلحَ، وصَبرُ ساعةٍ أدومُ للراحةِ.
قَالَ الشَّاعرُ:
وقَلَّ مَنْ جَدَّ في أَمْرٍ يُطالِبُهُ ... فاستَصْحَبَ الصَّبْرَ إِلاَّ فاز بالظَّفَر (16)
وقال: (17)
اخلقْ بذي الصبرِ أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرعِ للأبوابِ أن يلجا
وقال الآخَرُ:
فالصبرُ مفتاحُ النجاحِ ولم نجدْ ... صعباً بغيرِ الصبرِ يبلغُهُ الأملْ
*****************
والحمد لله في الأول والآخر، وصلى الله على النبي المصطفى وسلَّم
وكتبه:
ابن المهلهِل
ـــــــــــــــــ
(1) تهذيب التهذيب 1/ 58.ط. المكتبة الشاملة، وما يأتي أيضاً.
(2) تهذيب الكمال للمزي 1/ 424.
(3) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض 1/ 427، والديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون 1/ 137.
(4) تاريخ دمشق 14/ 65، وسير اعلام النبلاء للذهبي 11/ 84، و4/ 342
(5) سير أعلام النبلاء 18/ 458، وطبقات الشافعية الكبرى 4/ 115، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 38.
(6) المنتظم 5/ 170، ولسان الميزان 1/ 288.
(7) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي 2/ 82.
(8) البداية والنهاية 12/ 227.
(9) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي 9/ 201، وسير أعلام النبلاء 19/ 416
(10) تاريخ الجبرتي 2/ 150.
(11) تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/ 59.
(12) مقال: لماذا الشناقطة يحفظون؟ لمحمود بن محمد المختار الشنقيطي.
(13) الحث على حفظ العلم صـ 44 ــ.
(14) يضرب للرجل يشتد حرصه على الحاجة فيخرق فيها ويفارق التؤدة في التماسها فتفوته وتسبقه، وله قصة. انظر جمهرة الأمثال للعسكري 1/ 482، ومجمع الأمثال للميداني 1/ 294.
(15) مأخوذ من المثل: حَلَبَ الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ، وهو مستعارٌ من حَلَبَ أَشْطرُ الناقة وذلك إذا حلب خِلْفَين من أخلافها ثم يحلبها الثانية خِلْفَيْن أيضاً. والمعنى: أنه اخْتَبَر الدهْرَ شطري خيره وشره فعرف ما فيه. يضرب فيمن جَرَّبَ الدهر. جمهرة الأمثال للميداني، رقم: 1033
(16) اختلف في نسبة هذا البيت، فنسبه ابنُ قتيبة مع أبيات أُخَر لمحمد بن يسير (الشعر والشعراء 1/ 194) وقد يقال: بشير، ونسبه غير واحد إلى علي بن أبي طالب كما في المحاسن والمساوئ 1/ 204، والتذكرة الحمدونية 2/ 25.
(17) هو لمحمد بن يسير أيضاً كما في الشعر والشعراء 1/ 194، والأغاني 14/ 43.
¥