ـ[ابن المهلهل]ــــــــ[04 - 01 - 2011, 11:23 م]ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
جَاء في تَرجمة أحمدَ بنِ الفُرَاتِ (أبي مسعودٍ الرَّازي): أنَّه كان يُكرِّرُ كلَّ حَديثٍ خمسَ مائةِ مَرَّةٍ. (1) وقَالَ له رَجلٌ: إنَّا نَنْسى الحديثَ؟ فقال: أيُّكمْ يرْجِعُ في حِفظِ حديثٍ وَاحدٍ خمس مائة مرَّةٍ؟! قَالوا: وَمَنْ يَقوَى عَلَى هَذَا؟ فَقَال: لِذاكَ لا تحفظون (2).
وفي ترجمة (أبي بَكرٍ الأَبْهَريِّ المالكيِّ) قال: قَرَأتُ مُخْتَصَرَ ابنِ عبد الحكم خمسمائة مرة (والأَسَديةَ) خمساً وسبعين مرة، و (المُوَطَّأَ) كذلك، و (المَبْسُوطَ) ثلاثين مرة ومختصرَ ابنِ البرقي سبعين مرة. (3)
هذا وأمثالُه - ممَّا سَنورِدُه إنْ شَاءَ الله - يُبَيِّنُ اِحْتِفاءَ السَّلفِ والمتقدِّمين بـ (التَّكْرَارِ) بِوَصْفِهِ طَريقَاً من طُرُقِ تَحصِيلِ العِلْمِ، وسَبِيلاً قَويماً لتَثْبِيتِهِ وعَدمِ نِسْيَانه، والتَّكرَارُ – أيُّهَا الموفَّق -: عِبَارةٌ عَنْ تَكريرِ المَحْفُوظِ والمَقروءِ وإِعادَتِهِ وطُولِ تَرديده؛ بُغْيَة ضَبْطِهِ وتَرسِيخِهِ، كَأنْ تَعْمِدَ إلى حِزبٍ من القُرآنِ، أو إلى حَدِيثٍ، أو صَفْحةٍ من المتُونِ فَتَقُومَ بحِفْظِهَا، ثُمَّ بتِكْرَارِها التَّكرارَ الكَثِيرَ (50، 100، 200، ...)، فإِنَّكَ إنْ فَعَلتَ ذَلكَ اِشْتَدَ مَتنُ مَحْفُوظِك، فَلا تُتعبُك كَثْرةُ المرَاجَعَةِ ولا تُرْهِقُكَ السُّرْعَةُ في التَّفَلت، وصَارَ مَحْفوظكَ – في كلِّ وَقْتٍ- قَريبَ الاستِحْضَارِ، سَهْلَ المرَاجَعَة.
أيُّهَا القَارئُ:
إنَّ مَا وَصَفتُهُ لَكَ ليس بِدْعَاً مِنَ القَولِ، أو مِثَاليَّاتٍ مِن الخَيَال، بلْ هَذَا مَا عَليهِ السَّلَفُ المتقدِّمون والخَلَفُ الحَاذِقُونَ في الحِفظِ وَالمطَالعة، وأَنَا أذكُرُ لك من أقوالهم وأحوَالهِمْ مَا يَكُونُ لَكَ في دَربِك سِرَاجاً ودَليلاً:
فَقَد رَوَى الخَطِيبُ البَغْدِاديِّ (في الجَامع 1/ 238) عَنْ عَلقَمةَ قَالَ: اطِيلُوا ذِكرَ الحَديثِ لا يَدْرُس.
وقال عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ: سمعتُ يحيى بنَ مَعِينٍ يقولُ: لَو لم نَكتُب (وفي لفظٍ: نَسْمَع) الحَديثَ خمسينَ مَرَّةً مَا عَرَفنَاه. (4)
وجَاءَ في تَرْجمة الإمَامِ أبي إسْحَاق الشِّيرَازيِّ أنَّهُ قَالَ: "كُنتُ أُعيدُ كلَّ قِيَاسٍ أَلفَ مَرَّةٍ، فَإذَا فَرغْتُ منه أَخذْتُ قيَاساً آخَرَ وهَكَذَا، وكُنتُ أُعيدُ كُلَّ درسٍ أَلفَ مَرَّةٍ فإذا كَانَ في المسْأَلةِ بيتٌ يُسْتَشْهدُ به حَفظتُ القَصِيدةَ " (5). وكَانَ أبو إسْحَاق يُعيدُ الدَّرْسَ في بِدَايَتِه مِائَةَ مَرَّةٍ. (كما في المنتظم لابن الجوزي 4/ 489).
وَقَدْ قَالَ ابنُ بَشْكُوَال (في الصلة 1/ 146) في ترجمة أبي بَكرٍ غَالبِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ عَطِيةَ الغرناطي (ت:518) - والدِ ابنِ عَطِيَّة المفَسِّرِ -: " وَقَرأتُ بخطِّ بعضِ أصْحَابِنَا أنَّه سَمِعَ أبَا بكر بنِ عّطِيَّةَ يَذكُرُ أنَّهُ كَرَّرَ صَحِيحَ البُخَاريِّ سَبعَ مِائةِ مَرَّةٍ " ا. هـ
وكَانَ الحَسن بنُ ذي النُّونِ أبو المَفَاخِرِ النَّيْسَابُوري (المنسوبُ للمُعْتَزِلَةِ) (ت: 545 هـ) يقولُ: الشَّيءُ إذَا لم يُعَدْ سَبعينَ مَرَّةً لا يَسْتَقرُّ. ا. هـ (6). وهَذَا عَلَى وَجْهِ التَّقْريبِ فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ أنَّهُ: كَانَ يُعيدُ الدَّرْسَ خَمسينَ مرةً (7)
وقَال الذَّهَبيُّ (في السِّيرِ 23/ 115) في ترجمة ابن العَجَميِّ (ت: 642هـ): " يُقالُ: أَلْقَى (المُهَذَّبَ) دُرُوسَاً خمسَاً وعِشْرينَ مَرَّةً " ا. هـ.
وَقَالَ السَّخَاوي (في الضِّياءِ اللامع 2/ 418) في ترجمة عَبدِ الَّلطيف الكِرمَانيِّ الحَنَفِي: " وممن أَخَذَ عَنْهُ الزينُ قاسم والشَّمسُ الأمشاطي وحَكى لي عنه أنه سمعه يقول: طَالعت (المحيط) للبرهاني مائة مرة." والمحيط البرهاني في الفقه النعماني للإمام المرغيناني في فقه الحنفية.
¥