وحينذاك تحرك الحلف الصربي المجري تضامنا مع القره مانيين، ولكن حامية الجيش العثماني الموجودة في البلقان عبرت نهر الطونة "الدانوب" ودخلت بلاد المجر حتى بلغت بلاد طمشوار وهرمانشتاد في ترانسلفانيا، واستولت على مدينة سمندرة عاصمة صربيا القديمة، وحاصرت مدينة بلغراد، وفرَّ أمير الصرب، ولجأ إلى ملك المجر لادسلاس.
وحاول البابا الكاثوليكي أوجينيوس الرابع استغلال فرصة انشغال السلطان بحرب حلفائه القره مانيين، فدعا إلى تحالف كاثوليكي بين دول أوروبا المسيحية سنة 1439 م، ولبى دعوته أمير الأردل جان هونيادي، وجمهور من الفرنسيين والجرمانيين، ولادسلاس ملك المجر وبولونيا وبوهيميا ومولدافيا "البغدان"، وتقدمت الجيوش الأوروبية تحت قيادة القائد المجري جان هونيادي، وهاجمت الحامية العثمانية فقضت عليها بجوار هرمانشتاد سنة 845هـ/ 1442 م، فأرسل السلطان نجدة بقيادة شاهين باشا ففشلت، ووقع شاهين باشا أسيراً، واستطاعت الجيوش الأوروبية استرداد مدينة بلغراد ونيش الصربية، وأخضعوا مدينة فيليبة، ووصلوا إلى الشرق من صوفيا عاصمة بلغاريا سنة 847 هـ/24/ 12/ 1443م، وأصبحت مدينة أدرنة مهددة.
خاف السلطان من ضياع البلقان، فشدد هجومه على القره مانيين، وانتصر عليهم وأخضعهم، وعاهدوه على الطاعة، وقاد الجيش وتوجه نحو البلقان، وأسفرت المفاوضات عن توقيع معاهدة سِغدِين " segedin" التي نصّت على دفع الجزية للعثمانيين من قِبَل الصرب والبوسنة والهرسك، وعلى استقلال بلاد الأفلاق، وتبادل إخلاء سبيل الأسرى من الجانبين، وتقرر أن تكون الهدنة لمدة عشر سنوات.
6
وقعة وارنة "فارنا"
بعدما وقَّع السلطان مراد الثاني الهدنة مع التحالف الأوروبي، توفي ولي عهده الأمير علاء الدين في مدينة آماسيا الأناضولية في شهر ذي القعدة سنة 846 هـ/ آذار سنة 1443م، فدفن في بورصة، وحزن السلطان، وتنازل عن كرسي السلطنة لولده محمد الثاني الملقب بالفاتح، وكان عمره إحدى عشرة سنة، وشكل له ديوان حُكم ضم بعض أهل الحلِّ والعقد من خواصِّ الخاصّة، واعتكف السلطان مراد الثاني في مدينة مغنيسيا التركية، وتفرغ للعلم والعبادة.
علم الكردينال " cesarini" سيزاريني "جساريني" والبابا يوجين الرابع أن السلطان مراد قد اعتكف، وتنازل عن الحكم لولده، فظنّا أن الجو قد خلا لهما، فأمرا بنقض الهدنة، وقاد خامس حملات جيوش التحالف الأوروبية ملك المجر لادسلاس، وأغار على حدود السلطنة العثمانية، وسيطرت البحرية الأوروبية على مضيق الدردنيل "غاليبولي".
وزحفت جيوش التحالف الأوروبي المكونة من ثمانين ألف مقاتل من بولونيا وألمانيا وفرنسا والبندقية وبيزنطة والبابوية وبروغنديا والمجر بقيادة الملك لادسلاس وجان هونيادي، ونهبت الجيوش الكاثوليكية ممتلكات الأرثوكس وكنائسهم في طريقها، وعقدت العزم على احتلال القسطنطينية بعد النصر على العثمانيين، وتوجهت نحو مدينة وارنة "فارنا" على ساحل البحر الأسود في شرقي بلغاريا.
استنجد السلطان الفاتح بوالده، فقاد السلطان مراد الجيوش الآسيوية، وعبر مضيق البوسفور "بوغاز القسطنطينية" وكان بصحبته الصدر الأعظم خليل باشا الجاندرلي المخزومي، والقائد شهاب الدين باشا، ووصل أدرنة خلال يومين من المسير السريع، فاختار من الجيش أربعين ألفاً، وقصد قوات التحالف الكاثوليكي، وحصلت المعركة التصادمية أمام مدينة وارنة "فارنا" على سواحل البحر الأسود في 28 رجب سنة 848 هـ/ 10/ 11/ 1444م، وتبارز الملك الكاثوليكي لادسلاس، والسلطان مراد الثاني، وأسفرت المبارزة عن مصرع الملك لادسلاس، ومصرع الكردينال سيزاريني "جساريني" وكيل البابا يوجين الرابع ولما قُتِلا ولّت الجيوش الأوروبية الأدبار، وقاد فلولهم الهاربة جان هونيادي، وأسرت القوات العثمانية أكثر من خمسين ألف أوروبي، وغنمت غنائم كثيرة، وعادت إلى أدرنة غانمة ظافرة، وهكذا كان انتصار السلطان مراد الثاني في فارنة شبيه بانتصار جده يلدريم أبا يزيد الأول في معركة نيغوبولي قبل ذلك بمدة ثمان وأربعين سنة، وجاءت التهاني من الأقطار الإسلامية، وأمر سلطان المماليك جقمق بتلاوة اسم السلطان مراد الثاني بعد اسم الخليفة العباسي، والدعاء بالرحمة للشهداء في جوامع ومساجد القاهرة وتوابعها المملوكية.
7
عودة السلطان مراد الثاني
¥