طلب السلطان الفاتح وقادة الجيوش العثمانية من السلطان مراد أن يكف عن اعتكافه، فجاملهم واعتلى العرش ثانية في كانون الثاني سنة 1445م، وبعد أحد عشر شهرا قرر الاعتكاف ثانية في 12/ 12/ 1445م، وأعاد العرش إلى السلطان محمد الثاني، وعاد إلى مسجده في مغنيسيا، ولكن أهل الحل والعقد أجمعوا على ضرورة عودته إلى العرش خشية التحالفات المضمرة بين أمراء الطوائف في الأناضول مع التيموريين في آسيا والبابوية ودول البلقان، ولذلك عاد السلطان من اعتكافه وجلس على عرش السلطنة ثالث مرة في 5/ 5/ 1446م، وبدأ إخضاع الإمارات البلقانية المتمردة في المورة، وبلاد الأرناؤوط ولا سيما بعدما ارتدوا عن الإسلام، واعتنق اسكندر بك الكاثوليكية وساندته البابوية والأوربيون، فزحف عليه السلطان مراد ومعه ولي العهد محمد الفاتح في ربيع سنة 1447م، وحينذاك مات ملك التتار شاه رخ بن تيمور لنك في 12/ 3/ 1447م، وتقاسم الوارثون سلطته، فأصبحت السلطنة العثمانية أقوى دول العالم.
8
واقعة قوصوة الثانية
بينما كان السلطان مراد يحارب المرتد إسكندر بك الأرناؤوطي تحرّك حلفاؤه الأوربيون، وأمر البابا بتجهيز الحملة الأوروبية السادسة ضد العثمانيين بقيادة جان هونيادي الذي قاد الحملة المكونة من مائة ألف مقاتل، وتوجه نحو مدينة صوفيا البلغارية، واصطدمت بالحاميات العثمانية، فتراجع السلطان عن حرب الأرناؤوط المرتدين وومن معهم من البكتاشيين، وقصد جيوش الحملة الأوروبية، وحصلت المعركة التصادمية بين المسلمين والكاثوليك في سهل قوْصَوة "كوسوفو" واستمرت المعركة ثلاثة أيام في شوال سنة 852 هـ/ 17 و18 و19 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1448م، وحقق السلطان مراد الثاني انتصاراً يشبه انتصار مراد الأول الذي حصل في كوسوفو قبل ذلك بستين سنة، وفي الليلة الأخيرة من المعركة فرَّ القائد الأوروبي جان هونيادي من ميدان القتال تحت جنح الظلام، وفرَّ معه من نجا من القتل والأسر، ثم عاد السلطان إلى أدرنة، وبنى فيها جامع المرادية، واهتم بالعمران والعبادات.
9
أواخر سنوات السلطان مراد الثاني
قضى السلطان مراد الثاني على خطر التحالف الأوروبي المتآمر مع بقايا تتار المشرق والفُرس وأمراء الطوائف، وبعد ذلك توجه السلطان مراد وولده محمد الفاتح إلى حرب الأرناؤوط في صيف سنة 1449م، ولكنهم لم يعثروا على المرتد إسكندر بك حيث اختفى عن الأنظار، فعاد السلطان إلى أدرنة، وتزوّج محمد الثاني البالغ سنّ السابعة عشرة من الأميرة مكرمة خاتون بنت أمير بلاد ذي القدرية، وأقيمت الأفراح في أدرنة في ذي القعدة سنة 853 هـ/ الموافق لـ 15/ 12/ 1449م، ثم تولى محمد الثاني إمارة صاروخان، وأقام في مدينة مغنيسيا في الأناضول، وتوفي الخليفة العباسي المستكفي بالله في القاهرة سنة 854 هـ/ 1450م، وبويع أخوه القائم بأمر الله، فأرسل إليهم السلطان مراد معزيا بالخليفة الراحل، ومهنئا بالخليفة الجديد.
10
وفاة السلطان مراد الثاني
توفيت السلطانة هِمَّة خاتون والدة السلطان محمد الثاني "الفاتح" سنة في أيلول/ سبتمبر سنة 1449م، ودفنت في مدينة بورصة، ثم مرض السلطان مراد الثاني مدة قصيرة في مدينة أدرنة، فأوصى أن يدفن في قبر عادي مكشوف دون قبة يدل على تواضعه وتقواه، وأوصى أن يُخصَّص مكان لتلاوة القرآن بجانب قبره، ثم رحل إلى الدار الآخرة في الخامس من محرّم سنة 855 هـ/ 3 شباط/ فبراير سنة 1451م، وقد بلغ سنّ التاسعة والأربعين إلا أربعة أشهر بعدما تسلطن مدة 29 سنة وعشرة أشهر و26 يوماً، ونقلت جنازته إلى مثواه الأخير في مدينة بورصة، ودفن حسب وصيته في يوم الجمعة، وتمت البيعة لولده محمد الثاني الفاتح.
كان السلطان مراد الثاني رحمه الله شاعراً وموسيقياًّ ومجاهداً جليلاً صالحاً يعتني بالعلم والعلماء والصالحين، كريماً واسع العطايا، وقد خصص لصُرّة الحرمين الشريفين في كل عام مبلغ 3500 دينار، وقد اهتم بالعمران فشيد المساجد والجوامع والمدارس والتكايا والزوايا ودور الضيافة والخانات والجسور، وتمهيد الطرقات، ومن أشهر شيوخه ابن عرب شاه (1389 ـ 1450) م.
قال المؤرخ الألماني فون هامر " Van Hammer" : " حكم السلطان مراد الثاني في سلطنته بعدالة وشرف مدة ثلاثين سنة، وكان عادلا سليم النية مع رعيته دون تفريق بين الأديان، وكان وفياً بوعده في الحرب، وعهده في السلم، وكان يفضل الصلح، ولكنه لايتردد في الحرب إذا دعت الضرورة لذلك، وكان انتقامه شديداً من الذين يخونون عهودهم، ولم يفقد دهاءه حتى نهاية أيام حُكمه" وقال المؤرخ الفرنسي غرينارد " Grenard" : " إن كان مراد الأول معمار السلطنة العثمانية الأول، فإن مراد الثاني هو بانيها الثاني".
ملاحظة: نشرت هذه المادة في الواحة بملحق التراث في جريدة الحياة، الصفحة: 19، يوم السبت 13 ربيع الأول 1426 هـ/ 21/ 5/ 2005م
¥