آخرون في ذلك الزمان نفسه يذكرون المرأة المهفهفة التي يشبهونها بغصن البان في الاستقامة، وصفة الاستقامة لا يمكن أن تتوافر في الممتلئة شحما، ولحما، ويقال الشيء نفسه في معيار الجمال في عصرنا فما نراه حُسنا في البدينة يراه غيرنا عيبا، والعكس مطرد، يأتي ذلك تأثرا بما أجرته أقلام فلاسفة علم الجمال من تحليلات هي أقرب للجدل في مكنونات النفس، لا المرئيات، وبما استحدثه خبراء التجميل الاصطناعي؛ فالمُحْدَثون يرون للجمال تعريفا آخر وهو (التناسق)، وهذا التعريف يخضع أيضا للمقاييس الفلسفية؛ لأن التناسق في أي عمل هندسي نشأ في رحاب العلم، فهو مجلوب لاعتبار معين، ورحم الله المتنبي القائل:
حُسْنُ الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
وكأنه يعني بالحسن المجلوب ما تعارفنا عليه اليوم بـ (الماكياج)، أو (ميك اب) من تناسب الألوان، وسرعان ما يزول ذلك بالغسل، وترتد الوجوه إلى حالها قبل الزينة الموقوتة. أما الحُسْن الطبيعي، فهو باقٍ من قبل الغسل ومن بعده فهو حسن غير مجلوب، وعبر المتنبي عنه بالبداوة وكأنه يعني ما كان على الفطرة.
فالجمال رؤية فردية نابعة من أعماق نفسٍ ذات نقاء كما قال إليا أبو ماضي: كن جميلا تر الوجود جميلا
والنفوس المريضة بالتشاؤم لا تنعم برؤية الحسن مهما عظم، وحيثما كان.
وكثيرا ما نرى أشياءَ أو وجوها جميلة بمقاييس الجمال، والتناسق، ولكنها محرومة من الملاحة، والرقة، والقدر المشترك بين العيون في رؤية الجمال هو أعلى قيمة جمالية لأنه إقرار من نفوس جُبلت على الاختلاف، فإذا اتفقت، فقد أتت بما لا يمكن الاختلاف فيه، ولا يمكن إنكاره كالبدهيات، فالجمال في المخلوقات - فيما أرى - قيمة نسبية لا تخضع لمقاييس الماديات التي نصنعها بأيدينا، وأما الصفات الأخلاقية المكتسبة كالصدق، والشجاعة، ونحو ذلك فهي من الجمال التعويضي، والتكميلي الذي يرتضيه الناس للتعامل، والتجمل في الحياة الاجتماعية من استقامة الحياة.
وهل اهتدى لها؟
والجواب بالطبع: لا، لأن البشر كلهم مذ خُلِقوا لم يهتدوا إلى كنه الجمال،
فغاية أمر الرافعي فيها ما سجله في بعض كتبه من حديث تُفهم ألفاظه، ولا تُفهم غاياته.
س / ما قيمة كتاب " تاريخ آداب العرب " للرافعي؟
هذا الكتاب أحد آثار الرافعي، أو قل: أحد أبنائه، فقيمته لأسرة العربية كقيمة الابن من أسرة الرجل. أما قيمته العلمية، فلا يمكن إغفال مؤداها في يوم من الأيام، ولما اختلفت مناهج الدرس في دور العلم، ترك الموجهون كتب الجيل الماضي، فظن بعض أبناء العهد الحاضر في قراءة كتب السابقين مضيعة للوقت أو - إذا أحسنوا الظن - أنها قليلة القيمة، وقليلة الجدوى.
س / ذكر أنيس منصور، وغيره أنّ مجلس العقاد كان يُعقد وقت صلاة الجمعة، فهل هذا صحيح، ولا سيما أنك حضرت مجالس العقّاد في آخر حياته؟
أولا: فإن الجلسة كانت تنتهي قبيل أذان الجمعة. وما شهدنا غير ذلك.
ثانيا: بعد خروجنا من بيت الرجل فلا علم لنا بما كان يصنع.
س / ما رأيكم في كتاب "في صالون العقاد" لأنيس منصور خاصة وصفَه لمجلس الشيخ محمود شاكر؟
: لو كان أنيس منصور حيًّا، لواجهته بالحقائق التي لا يعرفها، أو يعرفها وكان يخفيها، ولكنه الآن بين يدي ربه يُواجَه بما لا أعرفه من الحق، والحقيقة فلا أقول عنه قولا يعجز عن رده، والدفاع عن نفسه.
س / هل كان لك علاقة بالنفاخ؟
رأيت الأستاذ أحمد راتب النفاخ مرتين، أو ثلاثا، إحداها في بيت الشيخ شاكر، ولم أجرؤ على الحديث معه لأنه كان يتدفق في الحديث، فحرصت على الاستماع، وكفى بذلك غنما.
وهل تعرف شيئًا من أخباره؟
كل ما أعرفه عنه مما سمعته من الشيخ محمود شاكر، ومن أخي وصديقي علي شاكر، ومن محمود الطناحي، ومن غيرهم، ومما قرأته عنه يجعلني كسائر طلابه نتفاوت في مقدار علمنا عنه، ولا ندرك حقيقة مكانته.
وكيف كان رأي الشيخ شاكر فيه؟
حسبك أن الشيخ محمود يصف النفاخ بأنه تلميذ شاكر، ثم أستاذه.
وهل تنصح بجمع مقالاته؟
جمع مقالاته أمنية من أمانيَّ، ولقد هممت بهذا غير أني لم أجد متسعا من الوقت للجمع، والتعليق.
س / ما أبرز الكتب المفقودة التي قرأت أسماءَها في كتب التراجم، وتمنيتَ أن يُعثَر عليها؟
¥