وحين جاء الرجال لينقلوه إلى حيث يشيع، وتناولوه من جانبيه لان لهم وانقاد، وهو الذي كان عصيا أبيا، ثم تذكرت كلمة معاوية وهو في النزع يحتضر، يقول لابنيه وهما يقلبانه ((إنكما لتقلبان قُلَّبا حُوّلاً)). والقلب: الرجل العارف بالأمور، الذي ركب الصعب والذلول، وقلب الدنيا ظهرا لبطن، والحُوَّل: ذو التصرف في الأمور، وكذلك كان محمود شاكر.
ثم اعتراني ما يعتري الناس من غم، وركبني ما يركبهم من هم، لفقد الأحباب وغياب العلماء، وبذهابهم يذهب العلم، على ما جاء في الأثر ((وإن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء)).
ولكن ماذا نصنع وكل حي إلى فناء، وكل جديد إلى بلى، والملجأ الله، منه يأخذ المحتسب وإليه يرجع الجازع.
ولقد كتبت عن محمود شاكر غداة وفاته، وكتبت عنه من قبل، وأبنت عن تاريخه الحافل مع العربية: تحصيلا لها وإحاطة بها وذودا عنها، ومنافحة دونها، وكشفاً لأسرارها، مما تفرد به ولم يدانه فيه أحد من أدباء جيله، لكني أستسمح القارئ الكريم أن أعيد كلمة كنت قد كتبتها بالأمس القريب، تلك كلمة أبي حيان التوحيدي، يقارن بين الجاحظ وابن العميد: ((إن مذهب الجاحظ مدبر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان، ولا تجتمع في صدر كل أحد، بالطبع والمنشأ والعمل والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ. وهذه مفاتح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلما ينفك منها أحد)).
فاقرأ هذا الكلام العالي، وأعطه حظه من النظر والتأمل، ثم نزله على محمود شاكر ـ إن كنت تعرفه معرفتي ـ وستراه مفصلاً عليه تفصيلاً، ومصروفاً إليه صرفاً.
وللناس أن يتكلموا عن علم محمود شاكر وجهاده، ما شاء الله لهم أن يتكلموا، فالحوض ملآن والنفس جياشة، ولكن الحديث عن مجلسه مما ينبغي الوقوف عنده وتأمله! فأي رجل كان محمود شاكر؟ وأي مجلس كان مجلسه؟ وأي أنس كان يشيع في هذا المجلس؟ وأي علم كان يتفجر في رحابه؟
لقد قلت في بعض ما كتبت: إنه لم يحظ أحد من أدباء هذا الجيل بمعشار ما حظي به محمود شاكر، من الالتفاف حوله والأخذ عنه والتأثر به: طوائف من الناس من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، ضمهم بيته المفتوح دائما، وقد خلا من الرسميات والمواعيد المضروبة من قبل.
يقول الأستاذ فتحي رضوان، في وصف ذلك البيت الشاكري:
((كان بيته ندوة متصلة لا تنفض، من أعضائها الثابتين: يحيى حقي، إذا حضر من أوربا، وعبدالرحمن بدوي، وحسين ذو الفقار صبري، وغيرهم وغيرهم، ولم يكن من حظي أن أكون عضوا دائما فيها، فقد كنت ألمّ بهم أحيانا، فأراهم وأرى من العالم العربي كله، ومن العالم الإسلامي على تراميه، شخصيات لا حصر لها، تتباين بعضها عن بعض، في الرأي والمظهر والثقافة واللهجة والشواغل والمطامح، ولكنها تلتقي كلها عند محمود شاكر، تسمع له وتأخذ عنه وتقرأ عليه وتتأثر به. وكلما كان من حظي أن أشهد جانباً من هذه الندوة أحسست بسعادة غامرة، أن يبقى ركن في بلدي كهذا الركن، ينقطع أصحابه للفكر والدرس والتحدث في أمور لا تجد من يسمع بها أو يعرف عنها شيئا في مكان آخر)).
وإذا كان الأستاذ فتحي رضوان قد ذكر من عرفهم من أعلام المفكرين والأدباء الذين كانوا يختلفون إلى بيت محمود شاكر، في الخمسينيات وما قبلها. فإني ذاكر أيضا من عرفتهم في هذا المجلس العامر، على امتداد الستينيات والسبعينيات: عبدالرحمن صدقي وعلى أدهم وحسن كامل الصيرفي ومحمود حسن إسماعيل ووديع فلسطين وعلي أحمد باكثير ويوسف شوقي وعبده بدوي. ومن أعلام العرب وأدبائه: أحمد المانع وناصر الدين الأسد، وأحمد راتب النفاخ وإحسان عباس وشاكر الفحام وإحسان النص ومحمد يوسف نجم ووليد عرفات وعبد القدوس أبوصالح وعبد الله الطيب المجذوب وحمد الكبيسي ونوري القيسي وعبد الله الجبوري، وهاشم الطعان وبشار عواد معروف وإبراهيم السامرائي ويعقوب الغنيم وأخواه عبد الله ومرزوق وجمعه الياسين وصالح العثمان وعبدالله العيسى وعبد الله عسيلان وإبراهيم شبوح ومحمد بن شريفة وعبد السلام الهراس والحبيب اللمسي، فهل وجدت هؤلاء قد اجتمعوا يوماً عند أديب من أدباء مصر. ثم يتسع المجلس أيضا للطلاب المبتدئين ولشباب المعيدين.
¥