ولقد يجتمع الناس في ندوة أديب من الأدباء، ثم تنفض الندوة وينفرط عقدها، ويذهب كل في طريق، وكأنهم كانوا رفقاء رحلة عابرة. ولكن مجلس محمود شاكر يختلف عن غيره من المجالس، بما يشيع فيه من أُنس وود وبهجة، وما تنعقد فيه من صداقات عذبة حميمة، يغذيها وينميها صاحب المجلس.
أما المناقشات العلمية والمحاورات الأدبية فلكل امرئ منها حظ مقسوم، لا ينفرد بها صاحب الدار، ولا يستبد بها الكبار، فالكل في هذا المجلس سواء، والكل يتكلم ويشارك، ولم يكن صاحب المجلس يستريح للأحاديث الجانبية أو ثنائية الحوار، فما يكاد يرى اثنين يتحدثان منفردين حتى يتدخل بينهما قائلا: ((انتوا بتقولوا إيه))، وكأنما يريد أن يقطع عليهما طريق الانفراد، ولاشك أنه كان يصدر في هذا عن روح الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر ـ حتى تختلطوا بالناس ـ من أجل أن ذلك يحزنه)). بل إن مائدة الجمعة والموائد الأخرى الحافلة كيوم عاشوراء، الذي كان يوافق مولد صاحب الدار بالتاريخ الهجري، هذه الموائد كانت تجمع إلى أهل الأدب والفكر بعض أهل الحرف والصناعات الذين كان لهم بالبيت وصاحبه صلة وتاريخ، كالمجلد والنجار والحلاق، ومن طريف ما يذكر هنا ما رواه لي أبوفهر رحمه الله، قال: في يوم جمعة، في أوائل ثورة يوليو كان يجلس على مائدة الغداء: محمد رشاد مهنا والشيخ أحمد حسن الباقوري ومحمد فؤاد جلال، وكان يجلس على المائدة نفسها الأسطى أنور الحلاق. وفي صباح اليوم التالي اتصل بي الشيخ الباقوري وقال لي إن محمد فؤاد جلال ـ وكان وزيرا للشئون الاجتماعية ـ عاتب عليك لوجود الأسطى أنور بيننا. يقول أبوفهر: وفي الجمعة التالية قلت لمحمد فؤاد جلال: ((اسمع يا فؤاد أنت وزير هناك في مجلس الوزراء، ولكنك هنا في بيتي واحد من عامة الناس، مثلك مثل الأسطى أنور وغيره)).
لقد صحبت محمود شاكر ثلاثين عاما، ومازلت أذكر أول يوم زرته فيه، وكنت في صحبة الأخ العلامة الكبير أحمد المانع أحتمي به من مشاعر الهيبة والخشية والحذر، من تلك الحدة المزعومة في شخصية محمود شاكر، وهو شعور عرفناه جميعا قبل أن ندخل البيت، وحين توثقت صلتنا بالشيخ اكتشفنا زيف هذا الشعور، وكذب تلك المزاعم التي أشاعها بعض الناس ليصدوا أهل العلم عنه، وإذا نحن أمام قلب طاهر نقي، يغضب ويثور حين يرى حدا من حدود العلم قد انتهك، أو حين يسمع تطاولاً على تاريخ الأمة العربية وعلومها، لن ينتهي بنهاية هذه الكلمة، وسيظل هذا الرجل أثراً ضخما في ضمير هذه الأمة: حراسة للعربية وذودا عنها، وبصرا بها، وإضاءة لها.
وإن أحق ما يقال عن محمود شاكر هنا وفي كل وقت وحين ما قاله هو عن أستاذه مصطفى صادق الرافعي: ((بأن الرافعي قد صار ميراثا نتوارثه، وأدبا نتدارسه، وحناناً نأوي إليه))، وكذلك يكون محمود شاكر ((ميراثا نتوارثه)) إلى آخر ما قال في حق شيخه الرافعي.