ـ[أبو سعد المصري]ــــــــ[04 - 03 - 2012, 12:40 ص]ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وأشهد أن محمد عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه الطيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد،،،
فإن لي أخ أحبه في الله، وهو إلى قلبي قريب، وهو محب للعربية غيور عليها، لكنه طعنني طعنة نزف منها كل جزء من جسدي، وأحسست أن الدنيا تدور بي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، إنه جرح غائر شديد الغور.
في أحد المنتديات قام الأخ الحبيب بنقل ((قاذورة)) يسمونها شعرا!، وهي عبارة عن: شطر بالعربية، وشطر أو أقل بالإنجليزية!!
حينما طالعتْ عيني هذه ((القاذورة))، قلت: لعل عيني أخطأت وزاغت، فأغلقت عيني قليلا، ثم نظرت مرة أخى، فإذا بها حقيقة كائنة، ومن الذي فعل هذا؟! إنه أخ حبيب، سُكْناه في قلبي.
لكنني تماسكت، وجمعت كلماتي، واشتدت عليه اشتداد العدو على عدوه، ليس لأنني أدرجته من جملة الأعداء، وإنما لأن الأمر لم يكن يحتمل إلا هذا.
فأرسلت عليه الكلمات تترا، كالسيل الجارف، ثم نقلت له كلام شيخ الإسلام ونَقْله عن أئمة الدين كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم -رضي الله عنهم ورحمهم- كراهتهم الشديدة لمن يخلط العربية بغيرها من غير سبب، وكراهتم لمن يتكلم بلفظ أعجمي بلا حاجة لذلك، ونَقْله عن أمير المؤمنين عمر أنه كان إذا سمع مسلما يتكلم بالفارسية يضربه وينهاه عن ذلك، صيانة للغة. وصيانة اللغة من صيانة الدين، واللغة كما قال شيخ الإسلام: ((من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون)).
واسترسلت في الكلام دفاعا عن لغة القرآن وأوسع اللغات كما قال الشافعي -رحمه الله وطيب ثراه-.
ثم قلت عليَّ أن آتي بكلام لشيخ العربية أبي فهر يؤيد ما ذكرت، لكن لم يسعفني الوقت ساعتها أن أنقل له من كلام شيخ العربية في هذا الزمان وفارسها المغوار أبي فهر محمود محمد شاكر.
وهذا الرجل -أي الشيخ محمود شاكر- له عندي منزلة عالية، ولما لا ومحاسنه منشورة جلية، واضحة لكل ذي بصر، ولكني لما تذكرته ولمَّا لم يسعفني الوقت أن أستشهد بكلام من كلامه، جلست بعدها أستعيد شيئا مما نُقِشَ على صفحة قلبي من كلام هذا الرجل وحياته وآثاره وتحقيقاته ومعاركه الأدبية، ثم تذكرت رثاء تلميذه النجيب محمود الطناحي - رحمهما الله وأسكنهما الفردوس-، فجئت بمقالات الأستاذ الطناحي ثم قرأت: ((أيُّ شلَّال هادر توقَّف!))، وكأني لم أقرأه من قبل.
ولعل أحدكم يباغتني ويقول: وما وجه ذكر ((أيُّ شلال)) بما تقول؟
فأقول: إنني لما رأيت ما رأيت من صاحبي، شعرت بما شعر به الطناحي حين وفاة شيخ العربية، ولا أبالغ في ذلك، فالعربية عندي ذات مقام عالٍ، وما رأيته هذا يحزن له كل محب للإسلام والعربية، ورأيت أن أعيد ذكريات هذا الرثاء الذي يبكي له صاحب الذوق السليم، ومن عرف الشيخ حق المعرفة، لا سيما حينما يقرأ صدر المقالة، وأحببت أن تشاركوني ذلك الأمر.
وأيا كان الأمر، فأنقل لكم هذه المقالة التي كانت رثاء من الأستاذ الطناحي لشيخه وأستاذه أبي فهر -رحمهما الله-، وأصلها من مجلة العربي الكويتية.
قال رحمه الله:
أيُّ شلَّال هادر توقَّف!
في الساعة الخامسة من عصر يوم الخميس 3 من ربيع الآخر 1418 هـ 7 من أغسطس 1997 دُعي محمود شاكر فأجاب، وبعد نصف ساعة من انتقاله للرفيق الأعلى كنت على رأسه ألقنه الشهادتين، ثم دارت بي الأرض وأنا أنظر إلى هذا الجسد الساكن وقد صرعه الموت، وهو الذي غالب المحن وصارع الشدائد، فلم تلن له قناة، ولم يخفت له صوت، ولم يرتعش في يده قلم، حتى جاءه القاهر الذي لا يُغلب. ثم نظرت إليه أخرى وقلت: أيُّ صوت مجلجل سكت، وأي شلال هادر توقف، وأي نبع عذب غاض، وأي نبت مزهر صوح، وأي ركن جليل ساخ، وأي فارس فاتكٍ ترجَّل؟
ثم تذكرت أبيات مطيع بن إياس، يرثي يحيى بن زياد الحارثي:
وينادونه وقد صمَّ عنهم ... ثم قالوا وللنساء نحيبُ
ما الذي غال أن تحير جوابا ... أيها المصقع الخطيب الأديبُ
فلئن كنت لا تحير جوابا ... فبما قد ترى وأنت خطيبُ
في مقال وما وعظت بشيء ... مثل وعظ بالصمت إذ لا تجيبُ
¥