ملتقي اهل اللغه (صفحة 11973)

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي، فهو صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن يبين قدر سيدنا يوسف عليه السلام ومدى صبره وقوته، وذلك أنه لما جاءه الداعي قال له ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ولا يشك أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم لو لبث في السجن أكثر من سيدنا يوسف لما أجاب الداعي.

أو أنه من باب اختياره لأيسر الأمرين ما لم يكن إثما.

ولا يشك أحد أن أفضل الأنبياء مقاما هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم

لكنه كما قلت سيد المتواضعين

ويعلمنا كيف نتواضع لله عز وجل وألا تأخذنا نفخة الغرور ورؤية النفس واحتقار الآخرين

وهو القائل: ((آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد)). أخرجه الإمام ابن سعد في الطبقات وصححه الشيخ الألباني.

وحتى فيما هو قضاء الله وقدره عليه من رفعته على جميع الخلق كان متواضعا فقال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)).

فالله قدر عليه هذا ومع ذلك من تواضعه صلى الله عليه وسلم قال ولا فخر.

والتواضع هذا ليس مذلة ولا ضعف كم يتوهم البعض

وإنما هو من تمام الإيمان، بل ويرفع العبد عند ربه درجاته

فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده قال حدثنا يزيد، أخبرنا عاصم بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر

عن عمر - قال: لا أعلمه إلا رفعه، (أي أسنده للنبي صلى الله عليه وسلم) - قال: ((يقول الله تبارك وتعالى: من تواضع لي هكذا -وجعل يزيد باطن كفه إلى الأرض، وأدناها إلى الأرض- رفعته هكذا -وجعل باطن كفه إلى السماء، ورفعها نحو السماء-)).

فالتواضع لله رفعة في الدرجات وفي المكانة عند الله عز وجل

وأخسر الناس من يسعى لرفع درجته بين الناس ولا يسعى لرفع درجته عند رب الناس

فهؤلاء الذين يسعون إلى المناصب ليقال فلان رئيس كذا وفلان المسئول عن كذا، هؤلاء وإن كسبوا الرفعة في الدنيا، فقد خسروها في الآخرة، وسيقال لهم إنما فعلتم ليقال كذا وقد قيل، فيذهب ما عملوه هباء منثورا.

لذلك قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: ((إنكم لتغفلون أفضل العبادة التواضع)). أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع.

لماذا؟

لأن التواضع كما قلنا يرفع الدرجات عند الله، ولا يكلف العبد الكثير

لكن في نفس الوقت لا يقدر عليه إلا صاحب الإيمان القوي.

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: ((كل مخموم القلب، صدوق اللسان))

قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب؟

قال: ((هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد)). أخرجه الإمام ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني.

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي)) أخرجه مسلم.

وأهل التواضع هم أهل الجنة

قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأهل الجنة؟، كل ضعيف متضعف)) أخرجه البخاري ومسلم.

ومتضعف إما بفتح العين ومعناها يستضعفه الناس، وإما بكسر العين ومعناها المتواضع الذي لا كبر فيه ولا فخر ولا تعاظم، فهذه صفة أهل الجنة.

ولذلك حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الكبر فقال: ((ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر)) أخرجه البخاري ومسلم.

فعتل معناها الرجل الجافي شديد الخصومة بالباطل وهذا من الكبر

وجواظ معناها الجموع المنوع الذي يجمع المال مثلا ويمنعه عن الناس، أو يحصل على المنصب ويتعالى به على الناس

ومستكبر معروف معناها فهي من الكبر والتخايل والتفاخر

فهذه صفات أهل النار

وهي ضد صفات أهل الجنة التي هي التواضع والخمول والنقاء والخفاء وترك السمعة والرياء.

وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم حتى في التواضع الظاهر فقال: ((من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها)) أخرجه الإمام الترمذي وصححه الشيخ الألباني.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015