وبالإسناد، حدّثنا أحمد بن علىّ بن ثابت فى كتابه [1]: أخبرنا القاضى أبو العلاء الواسطى، أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد بن هارون التّميمىّ بالكوفة، حدّثنا الحسن بن داود، حدثنا أبو جعفر عقدة، حدّثنا أبو بديل [2] الوضاحىّ، قال: [أمر [3]] أمير المؤمنين المأمون الفرّاء [4] أن يؤلّف ما يجمع به أصول النحو، وما سمع من العرب، وأمر أن يفرد فى حجرة من حجر الدار، ووكّل به جوارى وخدما يقمن بما يحتاج [إليه [3]] حتى لا يتعلّق قلبه، ولا تتشرّف [5] نفسه إلى شىء؛ حتى إنّهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصّلاة، وصيّر له الورّاقين، وألزمه الأمناء والمنفقين، وكان يملى والورّاقون يكتبون، حتى صنف «الحدود» فى سنتين، وأمر المأمون بكتبه فى الخزائن، فبعد أن فرغ من الإملاء خرج إلى الناس، وابتدأ يملّ كتاب «المعانى».
وكان ورّاقيه سلمة وأبو نصر، قال: فأردنا أن نعدّ الناس الّذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعانى فلم يضبط. قال: فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا، فلم يزل يملّه حتى أتمّه.
وله كتابان فى المشكل؛ أحدهما أكبر من الآخر.
قال: فلمّا فرغ من إملاء المعانى خزنه الورّاقون عن الناس ليكسبوا [1] فيه وبه [2]، وقالوا: لا نخرجه إلى أحد إلّا من أراد أن ينسخه على خمس [3] أوراق بدرهم، فشكا النّاس إلى الفرّاء، فدعا بالوراقين فقال لهم فى ذلك، فقالوا: إنّما صحبناك لننتفع بك، وكلّ ما صنّفته فليس بالنّاس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب؛ فدعنا نعش به؛ قال: فقاربوهم ينتفعوا وتنتفعوا، فأبوا عليه، فقال: سأريكم، وقال للناس: إنى ممل [4] كتاب معانى، أتمّ شرحا، وأبسط قولا من الذى أمليت، فجلس يملّ، فأملّ الحدّ فى مائة ورقة، فجاء الوراقون اليه وقالوا: نحن نبلغ النّاس ما يجبّون، فنسخوا كلّ عشر أوراق بدرهم [5].
=====
إنباه الرواة على أنباه النحاة (4/ 45)
823 - يعيش بن علىّ بن يعيش العدل الخطيب النّحوىّ المدعو بالموفّق
الموصلىّ الأصل، الحلبىّ المولد والمنشأ، لو أنصفته ما أجريته في حلبة النحاة، ولولا أنّ النحو قنطرة الآداب، لنّزهته عن مشاركة من قصده ونحاه، فإنّنى إن وصفته بالنّحو فهو أديب، أو بالبلاغة فهو خطيب، أو بالعدالة [1] فهو أبو ذرّها، أو بالمعانى فهو مكنون درّها، أو بجميع الفضائل وجمعها فهو حالب درّها. إمام إذا قاس قطع، وإذا تربّع ربع الأدب برع [2]، وإن سئل بيّن المشكل، وإن استفسر فصّل المجمل. تصدّر في زاوية [أبى] علىّ [1]، وجلّى للطلبة غامض كلامه وما تعبير كلّ متصدر جلىّ. حملته على إدراكه العلوم نفسه الأبيّة، وإلّا فهو فى شغل بأحكام العيال عن أحكام العربيّة، لأنه سلك طريق الصّفوة والأصفياء [2]، فى امتثال قول النبىّ صلى الله عليه وسلم: «تناكحوا تناسلوا فإنّى أكاثر بكم الأنبياء [3]»، هذا مع ما منى به من موت أبناء نجباء ساءوه بعد أن سرّوا، وأمرّوا عيشه عند ما مرّوا، وتسلّى عنهم بآخرين سلكوا مسلكه في البلاغة والنّباهة، إذا الولد سرّ أبيه في الوجه والوجاهة، وأسأل الله حراستهم له فقد أخذ الدّهر حقّه، وأن يوفّر خاطره للإفادة فما أولاه بذلك وما أحقّه. [ولو رام هذا الموفّق سموّ الاسم لاغترب، لأنه في وطنه كالمندل الرطب الذى هو في أوطانه حطب] [4].
فأما تصانيفه في العربيّة وفنونها فقد سارت مسير الركبان، وتناقلها الأجلّاء المتأصّلون في هذا الشان، فمنها كتاب «شرح التصريف الملوكى [5]» لابن جنّى، ولو رآه لجنّ طربا، وتحقّق مصنّفه لهذه الصّنعة أمّا وأبا، «وشرح كتاب المفصّل [6]» للزمخشرىّ فوصل به ما فصّله، وفرّق على المستفيدين ما أجمله، واستقى له من ركّية النّحو ما جمّ [7] له، وشرّفه بعنايته وإعانته فنوّه بذكره وجمّله، وبسط فيه القول بسطا أعيا الشّارحين، وأظهر من عونه وعيونه ما فتح به بابا للمادحين.
=====
إنباه الرواة على أنباه النحاة (4/ 99)
841 - أبو الأزهر البخارىّ اللغوىّ
رجل طويل النّفس في هذا الشأن، صنّف في اللغة كتابا سماه «الحصائل» معناه أنّه قصد تحصيل ما أغفله الخليل. وهو كتاب جليل القدر، جامع للّغة، رأيت منه الجزء الأول، فنظرته كتابا جليلا جامعا، يشتمل هذا الجزء على ما فات الخليل في حرف العين خاصة، فإنه إنما قصد ذكر ما أخلّ به الخليل من غير إعادة ما ذكره الخليل إلا لضرورة التكميل في بعض الأماكن.
¥