ملتقي اهل اللغه (صفحة 11341)

ولأهل اليمن بهذا [الكتاب] عناية تامة: يقرءونه، وينسخونه ويتكلمون على فوائده، حتى شرحه منهم القاضى نشوان بن سعيد، «2» فجاء كتابه فى شرحه كبيرا حسنا، كثير الفوائد، وسماه إعلام العلوم وشفاء كلام العرب من الكلوم.

وشاهدت على ظهر جزء من ديوان الأعشى بخط ابن وداع، «3» وحواشيه بخط أبى عبد الله بن مقلة، فى شهور سنة تسع «4» وثمانين بقفط: أن صالح بن مرداس صاحب حلب، خرج إلى المعرّة وقد عصى عليه أهلها، فنزل عليها، وشرع فى قتالها، ورماها بالمجانيق «5». فلما أحسّ أهلها التغلّب سعوا إلى أبى العلاء، وسألوه الخروج إليه والشفاعة فيهم عنده، فخرج متوكّئا على يد قائد له. وقيل لصالح: إن باب المدينة قد فتح، وخرج منها رجل يقاد كأنّه أعمى. فقال صالح: هو أبو العلاء! بطّلوا القتال، إلى أن نرى فى أى أمر جاء. فلما وصل إلى الخيمة أذن له، وأكرمه عند دخوله عليه، وعرّفه شوقه إلى نظره. ولما استقر بمجلسه قال له: ألك حاجة؟

فقال له أبو العلاء: الأمير- أطال الله بقاه- كالسيف القاطع، لان متنه

وخشن حدّاه، وكالنهار الماتع، «1» قاظ وسطه وطاب أبرداه «2». {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} فقال صالح: قد وهبتها لك يا أبا العلاء. ثم قال له صالح: أنشدنا شيئا من شعرك يا أبا العلاء، لنرويه عنك. فأنشد ارتجالا فى المجلس: «3»

تغيّبت فى منزلى برهة ... ستير العيوب فقيد الحسد

فلمّا مضى العمر إلا الأقلّ ... وحمّ «4» لروحى فراق الجسد

بعثت شفيعا إلى صالح ... وذاك من القوم رأى فسد

فيسمع منّي سجع الحمام ... وأسمع منه زئير الأسد

فلا يعجبنّى هذا النّفاق «5» ... فكم نفّقت محنة ما كسد

فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منا سجع الحمام، وأنت الذى نسمع منك زئير الأسد. ثم أمر بخيامه فوضعت، وبأثقاله فرفعت، ورحل عنها. فرجع أبو العلاء إلى المعرّة، وهو ينشد: «6»

نجّى المعرة من براثن «7» صالح ... ربّ يداوى كلّ داء معضل

ما كان لى فيها جناح بعوضة ... الله ألحفهم «8» جناح تفضّل

ولما صنف أبو العلاء كتاب اللامع العزيزى فى شرح شعر المتنبى، وقرئ عليه، أخذ الجماعة فى وصفه. فقال أبو العلاء: رحم الله المتنبىّ! كأنما نظر إلىّ بلحظ الغيب، حيث يقول: «9»

كأنّما نظر الأعمى إلى أدبى ... وأسمعت كلماتى من به صمم

قلت: وقد ذكر شيئا كثيرا عن كتب المعري يحسن الرجوع إليه .. من أمثلة ذلك قوله في تعداد كتبه والتعريف بها:" ... كتاب لطيف يعرف بالسجعات العشر، موضوع على كل حرف من حروف المعجم عشر سجعات فى الوعظ ... " وقوله:" ... شاهدت على نسخة من كتاب إصلاح المنطق، يقرب أن يكون بخط المعرّيين، أن الخطيب أبا زكريا يحيى بن على بن الخطيب التّبريزىّ قرأه على أبى العلاء، وطالبه بسنده متصلا، فقال له: إن أردت الدّراية فخذ عنى ولا تتعدّ، وإن قصدت الرّواية فعليك بما عند غيرى. وهذا القول من أبى العلاء يشعر أنه قد وجد من نفسه قوة على تصحيح اللّغة، كما وجدها ابن السّكيت مصنّف الإصلاح، وربما أحسّ من نفسه أوفر من ذلك، لأن ابن السّكيت لم يصادف اللغة منقّحة مؤلّفة، قد تداولها العلماء قبله، وصنّفوا فيها وأكثروا، كما وجدها أبو العلاء فى زمانه ... "

=====

إنباه الرواة على أنباه النحاة (1/ 126)

43 - أحمد بن عمّار بن أبى العباس المهدوىّ المغربىّ

النحوىّ اللغوىّ المفسر. أصله من المهديّة من بلاد إفريقية. روى عن الشيخ الصالح أبى الحسن القابسىّ، ودخل الأندلس فى حدود الثلاثين والأربعمائة.

وكان عالما بالأدب، والقراءات، متقدما فيها، وألف كتبا كثيرة النفع، مثل كتاب التفصيل، وهو كتابه الكبير فى التفسير، ولما أظهر هذا الكتاب فى الأندلس قيل لمتولّى الجهة التى نزل بها من الأندلس: ليس الكتاب له، وإذا أردت علم ذلك فخذ الكتاب إليك، واطلب منه تأليف غيره. ففعل ذلك، وطلب غيره؛ فألّف له التحصيل، وهو كالمختصر منه، وإن تغيّر الترتيب بعض تغير. والكتابان مشهوران فى الآفاق، سائران على أيدى الرّفاق. وله كتاب تعليل القراءات السبع، وهو كتاب جميل، ذاكرات به بعض أدباء عصرنا فقال: هو عندى أنفع من الحجة لأبى علىّ الفارسىّ. فقلت له: وهو صغير الحجم؟ فقال: إلا أنه كثير الفوائد، حسن الاختصار، يصلح للمبتدى والمنتهى، وإنّ الواقف على كتاب الحجة إذا نظر إلى «1» أبى علىّ على

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015