فقد رُويت بضم الفاء وفتحها مع تشديد الميم. فأمّا ضمُّ الفاء، فقد تقدّم الجوابُ عنه؛ وأمّا التشديد فلا أصل له في الكلمة؛ لقولهم في جمعه: "أَفْواهٌ"، وفي تصغيره: "فُوَيهٌ"، ولم يقولوا: "أَفْمامٌ"، ولا "فُمَيمٌ". ووجهُ ذلك أنّهم ثقّلوا الميم في الوقف كما يُثقِّلون في "يَجْعَلْ ش" و"خَالِدْ ش"، ثمّ أُجري الوصل مجرى الوقف على حدّ "القَصَبَّا"، و"السَّبْسَبَّا"، فاعرفه.

وأمّا إبدالها من اللام، فقد أُبدلت من لام التعريف في لغة قوم من العرب، ويقال في لغة طَيِّىءٍ: "امرجل" في "الرجل"، وروى النمر بن تولب عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من امبرّ امصيامُ في امسفر" (?) وقيل: إنه لم يرو - صلى الله عليه وسلم - سوى هذا الحديث، ومع ذلك فهو شاذّ، لا يقاس عليه غيرُه، وقد تقدّم ذلك بأًشبَعَ من هذا اللفظ.

وأمّا إبدالها من النون، فقد أُبدلت إبدالًا مطّردًا في كل نون ساكنة وقعت بعدها باءٌ: فإنّها تُقلب ميمًا، نحو: "عَمْبَرٍ"، و"شَمْباءَ"، و"عَمْ بَكْرٍ"، وذلك من قِبَل أنّ النون حرفٌ ضعيفٌ رِخوٌ يمتدّ في الخَيشوم بغُنّة، والباء حرف شديد مجهور مَخرَجُه من الشفة، وإذا جئتَ بالنون الساكنة قبل الباء، خرجتَ من حرف ضعيف إلى حرف يُضادّه، ويُنافيه، وذلك ممّا يثقل، فجاؤوا بالميم مكانَ النون، لأنّها تُشارِكها في الغنّة، وتُوافِق الباء في المخرج؛ لكونهما من الشفة، فيتجانس الصوتُ بهما, ولا يختلف، ألا ترى أنهم قالوا: "صِراطٌ" بالصاد، والأصل "سِراطٌ" بالسين, لأنّه من "سرطتُ الشيء" إذا ابتلعتَه، كأنّ الطريق يبتلع المارّةَ، ولمّا رأوا أنّ السين حرفٌ ضعيفٌ مهموسٌ مُنْسَلٌّ، والطاء شديدٌ مُطبَقٌ، جاؤوا بالصاد لتُوافِق السينَ في الهمس والصفير، وتوافق الطاء في الإطباق، فيتجانس الصوتُ، ولا يختلف. وإذا كانوا فعلوا ذلك ههنا مع الفصل، كان في "عَمْبَرٍ"، و"شَمْباءَ" ألزمَ. صهان تحرّكت هذه النون، نحو: "الشَّنَب"، و"العِنَب"، و"عَنابِرَ"، قويت

طور بواسطة نورين ميديا © 2015