قال الشارح: قد أُبدلت الميم من أربعة أحرف: الواوِ واللام والنونِ والباءِ. أمّا إبدالها من الواو، ففي "فم" وحده، الأصل فيه: "فَوْهٌ" عينه واوٌ، وَلامه هاءٌ، يدل على ذلك قولهم في التصغير: "فُوَيْهٌ"، وفي التكسير: "أَفْواهٌ". ووزنُه "فَعْلٌ" بفتح الأوّل، وسكون الثاني، إلَّا أنه وقعت الهاء فيه، وهي مشبّهةٌ بحروف اللين، فحُذفت على حد حذف حروف اللين من نحو. "يَدٍ"، و"دَمٍ". ومثله: "شَفَةٌ" و"سَنَةٌ" فيمن قال: "شافَهْتُه" و"عملت معه مُسانهةً"، فلمّا حُذفت الهاء, بقي الاسم على حرفَيْن الثاني منهما واوٌ، والأوّلُ مفتوح، فكان إبقاؤُه على حاله يؤدّي إلى قلبها ألفًا لتحركها بحركات الإعراب، وكون ما قبلها مفتوحًا على حد "عَصًا" و"رَحًى"، والألفُ تحذف عند دخول التنوين عليها لالتقاء الساكنين كـ"عَصًا"، فيبقى الاسم المتمكّن على حرف واحد وهو معدومٌ، فلمّا كان يقتضى إبقاء الواو على ما ذُكر، أبدلوا منها الميم؛ لأنّ الميم حرفٌ صحيحٌ لا تثقل عليه الحركاتُ، وهو من مخرج الواو، لأنّهما من الشفة، وفيها غُنَّةٌ تُناسِب لِينَ الواو، فلذلك أبدلوها منها.
فإن قيل. ما الدليل على فتح الفاء دون أن تكون مضمومة، أو مكسورة؟ قيل: اللفظُ يشهد بذلك. فإن قيل: فقد حكى أبو زيد فيها: "فمٌ"، و"فِمٌ" بالضمّ والكسر، قيل: ليس ذلك فيها بالشائع، والحكم إنّما هو على الأكثر، والكثيرُ المشهور هو الفتح والضمُّ. والكسر قليل من قبيل الغلط، ووجهُه أنّهم رأوا الفاء تختلف من هذا الاسم إذا أضيف، نحو: "هذا فُوك"، و"رأيت فاك"، و"مررت بفيك"، فعاملوه في حال الإفراد تلك المعامَلةَ. وأمّا قول الشاعر [من الرجز]:
1305 - يا لَيْتَها قد خرجتْ من فُمِّهِ ... حتّى يعُودَ المُلْكُ في أُسْطُمِّه