المسألة الثامنة:
في اختلاف العلماء في حكم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-:
(اعلم): أن أهل العلم اختَلَفوا في ذلك على أقوال، أوصلها الحافظ رحمه الله تعالى إلى عشرة، فقال في "الفتح": فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب:
(أولها): قول ابن جرير الطبري: إنها من المستحبّات، وادعى الإجماع على ذلك.
(ثانيها): مقابله، وهو نقل ابن القصّار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقلّ ما يحصل به الإجزاء مرّة.
(ثالثها): تجب في العمر في صلاة، أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرّازيّ من الحنفيّة، وابن حزم، وغيرهما، وقال القرطبي المفسّر: لا خلاف في وجوبها في العمر مرّة، وأنها واجبة في كلّ حين وجوب السنن المؤكدة، وسبقه ابن عطيّة.
(رابعها): تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهّد وسلام التحلّل، قاله الشافعيّ، ومن تبعه.
(خامسها): تجب في التشهد، وهو قول الشعبي، وإسحاق بن راهويه.
(سادسها): تجب في الصلاة من غير تعيين المحلّ، نُقلَ ذلك عن أبي جعفر الباقر.
(سابعها): يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية.
(ثامنها): تجب كلما ذُكر، قاله الطحاويّ، وجماعة من الحنفية، والْحَلِيمِيّ، وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشريّ.
(تاسعها): تجب في كلّ مجلس مرّةً، ولو تكرّر ذكره مراراً، حكاه الزمخشريّ.
(عاشرها): تجب في كلّ دعاء، حكاه الزمخشريّ أيضاً. انتهى كلام الحافظ رحمه الله ببعض تصرّف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي القول الثامن، وهو القول بوجوبها كلما ذكر اسمه؛ لأدلة كثيرة؛ منها: ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صعد المنبر فقال: "آمين آمين آمين" الحديث بطوله، وفيه: "ومن ذُكِرْتَ عنده، فلم يصل عليك، فمات فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين".
فهذا الوعيد لا يكون إِلَّا لمن ترك الواجب، فدل على أن الصلاة عليه كلما ذكر اسمه واجبة.