نَقْلًا وفِي "أَنَّ" و"أَنْ" يَطَّرِدُ ... مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ"عجِبْتُ أَنْ يَدُوا
أي بأنّ لما عملنا الخ (لِمَا عَمِلْنَا) جارّ ومجرورٌ خبر مقدّم لـ "أنّ"، وقوله (كَفَّارَةً) بالنصب اسم "أنّ" مؤخّرًا.
فأنزل اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-: {والّذِين لا يدعُون مع اللَّهِ إِلهًا آخر} إِلى {فأُولئِك يُبدِّلُ اللَّه سيِّئاتِهِم حسناتٍ}، قال: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إِيمَانًا، وزِنَاهُمْ إِحْصَانًا) هذا أحد القولين في معنى التبديل المذكور في هذه الآية الكريمة، قال الإمام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": في معنى قوله تعالى: {يُبدِّلُ اللَّه سيِّئاتِهِم حسناتٍ} قولان:
[أحدهما]: أنهم بُدّلوا مكان عمل السيّئات بعملِ الحسنات. قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في الآية، قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيّئات، فرغب اللَّه بهم عن السيّئات، فحوّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيّئات الحسنات. ورُوي عن مجاهد، عن ابن عبّاس أنه كان يُنشد عند هذه الآية:
بُدِّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَرِيفًا ... وَبَعْدَ طُولِ النَّفَسِ الْوَجِيفَا
يعني تغيّرت تلك الأحوال إلى غيرها. وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا يكون الرجل على صفة قبيحة، ثمّ يُبدّل اللَّه بها خيرًا. وقال سعيد بن جُبير: أبدلهم اللَّه بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصريّ: أبدلهم اللَّه بالعمل السيّىء العملَ الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر إسلامًا. وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين.
[والقول الثاني]: أن تلك السيّئات الماضية تنقلب بنفس التربة النَّصُوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلّما تذكّر ما مضى نَدِمَ، واسترجع، واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه، فإنه لا يضرّه، وينقلب حسنةً في صحيفته، كما ثبتت السنّة بذلك، وصحّت به الآثار المرويّة عن السلف - رضي اللَّه تعالى - عنهم، فعن أبي ذر - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، آخر أهل الجنة دخولا الجنة، يؤتى برجل، فيقول: نَحُّوا كبار ذنوبه، وسلُوه عن صغارها، قال: فيقال له عملت كذا، يوم كذا وكذا، وعملت كذا، يوم كذا وكذا، قال: فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، لقد عملت أشياء، لم أرها هنا، قال: فضحك رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، حتى بدت نواجده" رواه مسلم.