وأخرج الطبرانيّ بسنده عن أبي مالك الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -: "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان أعطني صحيفتك، فيُعطيه إياها، فما وجد في صحيفة من حسنة محا بها عشر سيئات من صحفية الشيطان، وكتبهنّ حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام، فليُكبّر ثلاثًا وثلاثين تكبيرةً، ويحمد أربعًا وثلاثين تحميدةً، ويُسبّح ثلاثين تسبيحة، فتلك مائة". ثم ذكر ابن كثير آثارًا كثيرة تدلّ على أن ذلك التبديل في الآخرة، فراجع "تفسيره" تستفد (?).

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنه لا تنافي بين القولين، فالآية عامّة لكليهما، ولا داعي لقصرها على أحد المعنيين؛ مع صحّة الدليل على أن كلًّا من التبديلين مقصود بالآية، فتبديل اللَّه تعالى أحوالهم السيّئة بعد التربة النصوح إلى الأحول الحسنة مما لا نقاش فيه، وتبديل اللَّه تعالى لهم ذنوبهم بالحسنات، يعطيهم مكان كلّ سيئة حسنة، ثابت في الحديث الصحيح، فاتّضح أن التبديل الدنيويّ والأخرويّ معًا ثابت لهم، والآية الكريمة دالّةٌ عليه دلالة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

(ونزلت: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية) قال في "الفتح" بعد أن ذكر قصّة وحشيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - الآنفة الذكر: في رواية الطبرانيّ: "فقال الناس: يا رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -، إنا أصبنا ما أصاب وحشيّ، فقال: هي للمسلمين عامّةً". وروى أحمد، والطبرانيّ في "الأوسط" من حديث ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يقول: "ما أُحبّ أنّ لي بهذه الآية الدنيا، وما فيها: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية، فقال رجلٌ: ومن أشرك؟ فسكت ساعة، ثم قال: "ومن أشرك" ثلاث مرّات.

واستُدِلّ بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب، كبيرِها، وصغيرِها، سواء تعلقت بحّق الآدميين، أم لا، والمشهور عند أهل السنّة أن الذنوب كلّها تُغفر بالتوبة، وأنها تُغفر لمن شاء اللَّه، ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما خصوص ما وقع منه فلابدّ له من ردّه لصاحبه، أو محاللته منه. نعم في سعة فضل اللَّه ما يمكن أن يعوّض اللَّه صاحب الحقّ عن حقّه، ولا يُعذّب العاصي بذلك، ويُرشد إليه عموم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}. واللَّه أعلم. انتهى ما في "الفتح" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015