مقدمة:

لا يستطيع شعب من الشعوب المتحضرة أن يمضي حياته اليومية من غير صحف، هذه ظاهرة اجتماعية حديثة لا يمترى فيها أحد، والصحافة في ذاتها وسيلة لا غاية، اهتمت بها الحكومة الحديثة كما حصرت عليها شعوبها مهما تختلف هذه الحكومات ومهما تتفاوت هذه الشعوب في إدراك حياتها السياسية وتناول شئونها الاجتماعية، فالحكومة النازية أو الفاشية تحرص، كما تحرص الحكومة الديمقراطية على هذه الوسيلة وتعمل على التمكين لها؛ لأن وراءها غايات قد تتشعب ومآرب قد تتباين، أما الوسيلة نفسها فقد فرضت وجودها على المذاهب السياسية والاجتماعية والاقتصادية جميعًا بلا استثناء.

وحظ مصر من هذه الوسيلة كحظ غيرها من الجماعات المتحضرة، وكما دعت الحاجة إلى نشأة الصحف في أوربا منذ عدة قرون، كذلك أملت النظم الجديدة على مصر الحديثة أن تنشئ صحفًا تعددت أغراضها وتباينت أهدافها وإن يكن عمرها أقل من قرنين من الزمان للظروف السياسية والاجتماعية التي حالت دون النشاط الصحفي وأخرته عن أوربا زهاء ثلاثة قرون.

وقد عرفت الصحف في أوربا بعد أن ظهرت الطباعة بفترة طويلة إذ اقتصر فن جوتنبرج خلال قرن على طبع أوراق الدفاتر وكراسات الأعمال التجارية وما إلى ذلك من الأشياء التي تمت إلى الحياة العملية ولا ترتبط بالصحافة والصحف، غير أنه قد لوحظ في تلك الفترة أن من بين الكراسات التي طبعتها المطبعة في صدر عمرها كراسات تحمل الأنباء للناس، والأنباء كما نعلم أهم عناصر الصحيفة، وقد سبقت إذاعة الأنباء فن الطباعة، فكانت تلقى في أول الأمر مشافهة ثم مضى أصحابها بنسخونها، فلما عرفت الطباعة صارت تذاع بعد طبعها في كراسات خاصة1.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015