[والثاني]: ويحتمل أن يكون مرفوعاً على الابتداء، وخبره محذوف تقديره: قال يا بني إن الله اصطفى" (?).
ثم قال: " والأول أظهر" (?).
والثانية: - وروي عن علي بن أبي طالب أنها قرئت قراءة شاذة بنصب باء (يعقوب). وقرأه: "إسماعيل بن عبد الله المكي، والضرير، وعمرو بن فائد الأسواري: بالنصب" (?).
والقراءة بالرفع هو الأشهر وعليه الجمهور، ومعناه: أنه وصى كوصية إبراهيم.
وأما القراءة بالنصب عطفًا على (بنيه)، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرًا ذلك، وقد ادعى القشيري، فيما حكاه القرطبي عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح؛ والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] وقد قرئ بنصب يعقوب هاهنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [الآية: 27] وقال في الآية الأخرى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "بيت المقدس". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" الحديث (?). فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس - وإنما كان جدّده بعد خرابه وزخرفه - وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف سنين، والله أعلم، وأيضًا فإن ذكر وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة الموصين (?).
وقال بعضهم: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ}، خبر منقض، وقوله: {ويعقوب} خبر مبتدأ، فإنه قال: {ووصى بها إبراهيم بنيه}، بأن يقولوا: أسلمنا لرب العالمين - ووصى يعقوب بنيه: أن: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132]، وهذا القول فيه نظر، لأن الذي أوصى به يعقوب بنيه، نظير الذي أوصى به إبراهيم بنيه وهو الحث على طاعة الله، والخضوع له، والإسلام (?).
قوله تعالى: {يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدين} [البقرة: 132]، أي: "إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه، واجتباه لكم" (?).
قال مقاتل: " يعني اختار لكم الدين يعني دين الإسلام" (?).
قال الرازي: أي استخلصه بأن أقام عليه الدلائل الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره (?).
قال الثعلبي: أي" اختار لكم الإسلام" (?).