قال الراغب: "أي أخلص سرك فإنه موضع الاطلاع، وإلى ذلك أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " أخلص يكفك القليل من العمل " (?)، وبقوله: " الأعمال بالنيات " (?)، وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البيّنة: 5] " (?).

قال ابن عطية: " وكان هذا القول من الله حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس. والإسلام هنا على أتم وجوهه" (?).

قال أبو حيان: " هذا من الالتفات، إذ لو جرى على الكلام السابق، لكان: إذ قلنا له أسلم" (?).

في الآية الكريمة موضع (إذْ) نصب وفي عامله وجهان (?):

الوجه الأول: أنه نصب باصطفيناه، أي اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربه أسلم، وكان هذا القول من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس، فكأنه تعالى ذكر الاصطفاء ثم عقبه بذكر سبب الاصطفاء، فكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله تعالى وخضع لها وانقاد علم تعالى من حاله أنه لا يتغير على الأوقات وأنه مستمر على هذه الطريقة، وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب، فعند ذلك اختاره للرسالة واختصه بها لأنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من هذا حاله في البدء والعاقبة، فإسلامه لله تعالى وحسن إجابته منطوق به، فإن قيل قوله: {ولقد اصطفيناه} إخبار عن النفس وقوله: {إذ قال له ربه أسلم} إخبار عن المغايبة فكيف يعقل أن يكون هذا النظم واحدا؟ قلنا: هذا من باب الالتفات الذي ذكرناه مرارا.

الوجه الثاني: أنه نصب باضمار أذكر كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفي الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله.

وقد اختلف في معنى (الإسلام) في قوله تعالى {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} [البقرة: 131]، على أقوال (?):

أحدها: أنه بمعنى: الإستقامة والثبات، والمعنى: استقِمْ على الإسلامِ وَاثْبُتْ عليهِ؛ لأنه كان مُسْلِماً كقولهِ تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19] أي اثْبتْ على عِلْمِكَ (?).

الثاني: أن (الاسلام) هنا الإخلاص.

قال ابن كثير: "أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا (?).

وقال السمرقندي: معنى قوله (أسلم) يعني أخلص دينك لله فقال إبراهيم {أسلمت لرب العالمين}، يعني أخلصت ديني لرب العالمين" (?).

قال الكلبيُّ: "مَعْنَاهُ: أخْلِصْ دينك للهِ بالتوحيد" (?). وروي مثله عن ابن كيسان (?).

الثالث: أن المراد بـ (الإسلامِ): تسليمُ الأمور إلى الله تعالى والانقيادُ له من غيرِ امتناعٍ وعِصْيَانٍ.

وقال عطاءُ: "سَلِّمْ نَفْسَكَ إلَى اللهِ وَفَوِّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015