قال السمرقندي: "ويقال معناه فوض أمرك إلى الله فقال فوضت أمري إلى الله (?).

الرابع: وقيل معناه: "اخْضَعْ واخشَعْ" (?).

الخامس: وقيل: معناه: اعمل بالجوارح، لأن الإيمان هو صفة القلب، والإسلام هو صفة الجوارح، فلما كان مؤمناً بقلبه كلفه بعد عمل الجوارح. قاله الرازي (?).

قلت: إن كلمة (الاسلام) تشمل جميع الأقوال السابقة، أي إسلام الباطن والظاهر. والله تعالى أعلم.

واختلفوا متى قيل له (أسلم) على قولين (?):

أحدهما: أنه قيل له ذلك قبل النبوّة، وقبل البلوغ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية، وأمارات الحدوث، فلما عرف ربه، قال تعالى له (أسلم). وهذا قول الأكثرين.

الثاني: وقيل: كان بعد النبوّة، فتؤول الأمر بالإسلام على أنه أمر بالثبات والديمومة، إذ هو متحل به وقت الأمر، ويكون الإسلام هنا على بابه، والمعنى: على شريعة الإسلام.

قوله تعالى: {قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ} [البقرة: 131]، "أي قال [إبراهيم]: أخلصت دينى لله الذي فطر الخلق جميعا" (?).

قال مقاتل: " يعني أخلصت لرب العالمين" (?).

قال الطبري: أي" قال إبراهيم مجيبا لربه: خضعت بالطاعة، وأخلصت العبادة، لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره" (?).

قال المراغي: "ونحو هذا قوله: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79]، وقد نشأ إبراهيم في قوم عبدة أصنام وكواكب، فأنار الله بصيرته، وألهمه الحق والصواب، فأدرك أن للعالم ربّا واحدا يدبره ويتصرف في شئونه وإليه مصيره، وحاجّ قومه في ذلك وبهرهم بحجته فقال: {أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ} [الأنعام: 80] إلى آخر الآيات التي جاءت في سورة الأنعام" (?).

الفوائد

1 - من فوائد الآية: فضيلة إبراهيم (عليه السلام)، حيث لم يتوانَ، ولم يستكبر؛ فبادَر بقوله: {أسلمت لرب العالمين} حين قال له ربه عزّ وجلّ: {أسلم} ولم يستكبر؛ بل أقر؛ لأنه مربوب لرب العالمين.

2 - ومنها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى العامة لكل أحد؛ لقوله تعالى: {لرب العالمين}.

3 - ومنها: الإشارة إلى أن الخلق من آيات الله؛ لأنهم سُمّوا «عالمين»، حيث إنهم عَلَم على خالقهم.

4 - ومنها: المناسبة بين قوله تعالى: (أسلمت)، و (رب)؛ كأن هذا علة لقوله تعالى: (أسلمت)؛ فإن الرب هو الذي يستحق أن يُسْلَم له؛ الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله سبحانه وتعالى عبادة الأصنام، وبيّن علة ذلك بأنهم لا يخلقون؛ قال تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} [النحل: 20، 21]؛ فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلام مقروناً بالربوبية.

5 - ومن الفوائد الفرق بين الإسلام والإيمان:

فالإسلام في اللغة: الانقياد والخضوع. والإيمان في اللغة: التصديق والإقرار.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015