أخرج الطبري عن ابن زيد: " {ويعلمهم الكتاب}، القرآن" (?).
قال ابن عطية: " ونسب التعليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها ويعلم طرق النظر بما يلقيه الله إليه ويوحيه" (?).
واختلفوا في معنى {الْحِكْمَةَ} في هذه الآية على أقوال (?):
أحدها: أنها السنّة. قاله قتادة (?)، والحسن (?)، ومقاتل بن حيان (?)، وأبو مالك (?)، والشافعي (?)، ويحيى بن كثير (?)، وغيرهم.
والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولا وتعليمه ثانيا ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئا خارجا عن الكتاب، وليس ذلك إلا سنة الرسول عليه السلام (?).
الثاني: أن (الحكمة)، هي المعرفة بالدين والفقه فيه. أي: ويعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل قضائك وأحكامك التي تعلمه إياها. قاله مالك (?)، وابن زيد (?).
الثالث: أن الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل، وهو مصدر بمعنى الحكم، كالقعدة والجلسة (?).
قال الطبري: والحكمة مأخوذ من " (الحكم) الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل" (?).
والمعنى: يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل أقضيتك وأحكامك التي تعلمه إياها، ومثال هذا: الخبر والخبرة، والعذر والعذرة، والغل والغلة، والذل والذلة.
الرابع: وقيل: {ويعلمهم الكتاب}، أراد به الآيات المحكمة، {والحكمة} أراد بها الآيات المتشابهات.
الخامس: وقيل: {ويعلمهم الكتاب}، أي: يعلمهم ما فيه من الأحكام، {والحكمة} أراد بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع.
والسادس: ان الحكمة: العقل في الدين. وهذا قول زيد بن أسلم (?).
قلتُ: ولا منافاة بين الأقوال السابقة، فإذا كانت الحكمة هي الفهم في الدين، فالعلم بأحكامه لايدرك علمها إلا ببيان سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، والكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات، وبأنه كتاب، وبأنه حكمة. والله تعالى أعلم.
قال الرازي: قوله تعالى {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ}، "المراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه: منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصونا عن التحريف والتصحيف، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزا لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة، فهذا حكم التلاوة إلا أن