2 - ومنها: أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله؛ وإلا هلك؛ لقوله تعالى: {واجعلنا مسلمين}؛ فإنهما مسلمان بلا شك: فهما نبيَّان؛ ولكن لا يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؛ قال الله سبحانه وتعالى للرسول (ص): {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلًا * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} [الإسراء: 74، 75].
3 - ومنها: أهمية الإخلاص؛ لقوله تعالى: {مسلمين لك}: {لك} تدل على إخلاص الإسلام لله عزّ وجلّ، كما قال تعالى في آية أخرى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه} [البقرة: 112].
4 - ومنها: أن الإسلام يشمل كل استسلام لله سبحانه وتعالى، ظاهراً وباطناً.
5 - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة؛ لقوله تعالى: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}؛ وقال إبراهيم (ص) في آية أخرى: {واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام}؛ فالذرية صلاحها لها شأن كبير بالنسبة للإنسان.
6 - ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: {وأرنا مناسكنا} يعني: أعلمنا بها.
7 - ومنها: أن الأصل في العبادات أنها توقيفية - يعني: الإنسان لا يتعبد لله بشيء إلا بما شرع -؛ لقوله تعالى: {وأرنا مناسكنا}.
8 - ومنها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعَوَا الله عزّ وجلّ أن يريهما مناسكهما؛ فلولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتَعبدا بدون هذا السؤال.
9 - ومنها: افتقار كل إنسان إلى توبة الله؛ لقوله تعالى: {وتب علينا}؛ إذ لا يخلو الإنسان من تقصير.
10 - ومنها: إثبات {التواب}، و {الرحيم} اسمين من أسماء الله سبحانه وتعالى، وما تضمناه من صفة.
11 - ومنها: مشروعية التوسل إلى الله عزّ وجلّ بأسمائه، وصفاته؛ لأن قوله تعالى: {إنك أنت التواب الرحيم} تعليل للطلب السابق؛ فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصول مطلوبه.
12 - ومنها: أن التوسل بأسماء الله يكون باسم مطابق لما دعا به؛ لقوله تعالى: {وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}، ولقوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}.
القرآن
{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)} [البقرة: 129]
التفسير:
ربنا وابعث في هذه الأمة رسولا من ذرية إسماعيل يتلو عليهم آياتك ويعلمهم القرآن والسنة، ويطهرهم من الشرك وسوء الأخلاق. إنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها.
قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ} [البقرة: 129]، أي: ربنا: و"أرسل فيهم رسولاً مرسَلاً من عندك" (?).
قال الصابوني: " أي: ابعث في الأمة المسلمة رسولاً من أنفسهم وهذا من جملة دعواتهما المباركة فاستجاب الله الدعاء ببعثة السراج المنير محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ" (?).
قال أبو السعود: " أي من أنفسهم فإن البعث فيهم لا يستلزم البعثَ منهم ولم يُبعث من ذريتهما غير النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم فهو الذي أُجيب به دعوتُهما عليهما السَّلامُ" (?).
قال المراغي: " أي ربنا وأرسل في الأمة المسلمة لك رسولا من أنفسهم ليكون أشفق عليهم، ويكونوا أعزّ به، وأقرب لإجابة دعوته، إذ أنهم يكونون قد خبروه وعرفوا منشأه ودرسوا فاضل أخلاقه من صدق وأمانه وعفة ونحو ذلك مما هو شرط في صحة نبوّة النبي، وقد أجاب الله دعوته، وأرسل خاتم النبيين محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا منهم، ومن ثمّ روى الإمام أحمد قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى» (?) " (?).
قال الحافظ ابن كثير: " وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قَدَرَ الله السابق في تعيين محمد - صلوات الله وسلامه عليه - رسولا في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين، من الإنس والجن" (?).
قال البيضاوي: " ولم يبعث من ذريتهما غير محمد صلّى الله عليه وسلّم، فهو المجاب به دعوتهما" (?).
قال ابن عطية: " ومعنى {مِنْهُمْ}: أن يعرفوه ويتحققوا فضله ويشفق عليهم ويحرص" (?).
وفي قراءة أبيّ: {وابعث في آخرهم رسولا منهم} (?).
قوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة: 129]، أي: "يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه" (?).
قال الصابوني: " أي يقرأ آيات القرآن" (?).
قال البيضاوي: أي: " يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل التوحيد والنبوة" (?).
قال أبو السعود: " يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من البينات" (?).
قال ابن عثيمين: أي" يقرأ عليهم آياتك، ويبينها لهم، كما قال الله - تبارك وتعالى -: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] " (?).
وفي قوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة: 129]، وجهان من التفسير (?):
الأول: أنها الفرقان الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه.
الثاني: يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته سبحانه وتعالى، ومعنى تلاوته إياها عليهم: أنه كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها.
قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 129]، أي و"يعلمهم القرآن العظيم والسنة المطهرة" (?).
قال البيضاوي: " {الْكِتابَ}: القرآن، {وَالْحِكْمَةَ}: ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام" (?).
قال أبو السعود: " أي القرآن، {والحكمة} وما يُكمل به نفوسَهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة" (?).