الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام، فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونورا لما فيه من المعاني والحكم والأسرار، فلما ذكر الله تعالى أولا أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} " (?).
وأما {الحكمة}: فهي: "الإصابة في القول والعمل، ولا يسمى حكيما إلا من اجتمع له الأمران وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل، ووضع كل شيء موضعه. قال القفال: وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية (?) ".
قوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129]، أي: و"يطهرهم من رجس الشرك" (?).
قال البيضاوي: " عن الشرك والمعاصي" (?).
قال أبو السعود: "أي يطهرها عن دنس الشرك وفنون المعاصي" (?).
قال ابن عثيمين: " أي ينمي أخلاقهم، ويطهرها من الرذائل" (?).
قال السعدي: " بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الردية، التي لا تزكي النفوس معها" (?).
قال ابن عطية: أي: " يطهرهم وينميهم بالخير، ومعنى الزكاة لا يخرج عن التطهير أو التنمية" (?).
قال المراغي: أي ويطهر نفوسهم من الشرك وضروب المعاصي التي تدسّيها وتفسد الأخلاق وتقوّض نظم المجتمع، ويعوّدها الأعمال الحسنة التي تطبع فيها ملكات الخير التي ترضى المولى جلّ وعلا" (?).
وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129] وجهان (?):
أحدهما: أن المعنى: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه. قاله ابن جريج (?)، وروي عن الحسن (?) نحو ذلك.
قال الطبري: " "ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان، وينميهم ويكثرهم بطاعة الله" (?).
الثاني: أن التزكية هي الطاعة لله والإخلاص. قاله ابن عباس (?).
وذكر الفخر الرازي في معنى هذه التزكية وجهين (?):
أحدهما: ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم، وتلك الأمور ما كان يفعله عليه السلام من الوعد والإيعاد، والوعظ والتذكير، وتكرير ذلك عليهم، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا، فقد كان عليه السلام يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم، وأنه أوتي مكارم الأخلاق.
الثاني: يزكيهم، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت، كتزكية المزكي الشهود.