قال النسفي: أي وتب علينا" ما فرط منا من التقصير أو استتاباً لذريتهما" (?).
قال أبو السعود: " استتابة لذريتهما وحكايتُها عنهما لترغيب الكفرةِ في التوبة والإيمانِ أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهوا ولعلمهما قالاه هضماً لأنفسهما وإرشاداً لذريتهما" (?).
قال المراغي: " أي ووفقنا للتوبة، لنتوب ويرجع إليك من كل عمل يشغلنا عنك، وهذا نظير قوله تعالى: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا).
وهذا منهما إرشاد لذريتهم، وتعليم منهما لهم بأن البيت وما يتبعه من المناسك والمواقف أمكنة للتخلص من الذنوب وطلب الرحمة من الله" (?).
قال الطبري: والتوبة: " أصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب. فتوبة العبد إلى ربه، أوبته مما يكرهه الله منه، بالندم عليه، والإقلاع عنه، والعزم على ترك العود فيه. وتوبة الرب على عبده: عوده عليه بالعفو له عن جرمه، والصفح له عن عقوبة ذنبه، مغفرة له منه، وتفضلا عليه" (?).
وقد اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {وَتُبْ عَلَيْنَا} [البقرة: 128]، وهم أنبياء معصومون، وفيه وجوه (?):
أحدها: قالت طائفة: طلبا التثبيت والدوام، لا أنهما كان لهما ذنب، وهذا حسن.
الثاني: "إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت وأطاعا أرادا أن يسنا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة" (?).
قال ابن عطية: "وهو الأحسن عندي" (?).
واعترض عليه أبو حيان فقال: "وفيه خروج قوله: {وتب علينا} عن ظاهره إلى تأويل بعيد، أي إن الدعاء بقوله: {وتب علينا}، ليس معناه أنهما طلبا التوبة، بل نبها بذلك الطلب على أن غيرهما يطلب في تلك المواضع التوبة، فيكونان لم يقصدا الطلب حقيقة، إنما ذكرا ذلك لتشريع غيرهما لطلب ذلك، وهذا بعيد جداً" (?).
الثالث: وقيل: المعنى وتبّ على الظلمة منّا.
قال أبو حيان: " قالوا التوبة من حيث الشريعة تختلف باختلاف التائبين، فتوبة سائر المسلمين الندم بالقلب، والرجوع عن الذنب، والعزم على عدم العود، ورد المظالم إذا أمكن، ونية الرد إذا لم يمكن، وتوبة الخواص الرجوع عن المكروهات من خواطر السوء، والفتور في الأعمال، والإتيان بالعبادة على غير وجه الكمال، وتوبة خواص الخواص لرفع الدرجات، والترقي في المقامات، فإن كان إبراهيم وإسماعيل دعوا لأنفسهما بالتوبة، وكان الضمير في قوله: {وَتُبْ عَلَيْنَآ} خاصاً بهما، فيحتمل أن تكون التوبة هنا من هذا القسم الأخير. قالوا: ويحتمل أن يريد التثبيت على تلك الحالة مثل: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}، وإن كان الضمير شاملاً لهما وللذرية، كان الدعاء بالتوبة منصرفاً لمن هو من أهل التوبة. وإن كان الضمير قبله محذوفاً مقدراً، فالتقدير على عصاتنا، ويكون دعا بالتوبة للعصاة. ولا تدل هذه الآية على جواز وقوع الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لما ذكرناه من الاحتمال، خلافاً لمن زعم ذلك وقال: التوبة مشروطة بتقدم الذنب، إذ لولا ذلك لاستحال طلب التوبة. والذي يقوي أن المراد الذرية العصاة قوله