والثاني: هو المخلص لله العبادة، من قولهم: سَلَّمَ لفلان الشيءَ، أي: خَلَّصَه له، وسَلِمَ له الشيءُ، أي: خَلَصَ، ومنه قوله تعالى: {وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} [الزمر: 29]، معناه: خالصًا لرجل.

وأنشد على أنَّ المسلم بمعنى المستسلم لأمر الله قولَ الشاعر (?):

فقلنا أسْلِمُوا إنّا أخوكم ... فقد بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ

أراد: استسلموا (?).

وقد أتى بالواو عطفاً على قوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}، يعني: ربنا واجعلنا مع قبولك، مسلمين لك، لا نشرك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك، والإسلام هو الخضوع لله بالطاعة.

قال الشيخ ابن عثيمين: " إن قال قائل: كيف يستقيم أن يسأل إبراهيم، وإسماعيل ربهما أن يجعلهما مسلمين له مع أنهما كانا كذلك؟

فالجواب: أن المراد بذلك تثبيتهما على الإسلام؛ لأن الإنسان من حيث هو إنسان لا يأمن العاقبة؛ أو يقال: إن المراد تقوية إسلامهما بالإخلاص لله عزّ وجلّ، والانقياد لطاعته؛ أو يقال: إنهما قالا ذلك توطئة لما بعدها في قولهما: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}؛ والأول أقوى الاحتمالات" (?).

وتجدر الإشارة بأن الإسلام في هذا الموضع: الإيمان والأعمال جميعا، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} [آل عمران: 19] ففي هذا دليل لمن قال: إن الإيمان والإسلام شيء واحد، وعضدوا هذا بقوله تعالى في الآية الأخرى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 - 36]. وقرأ ابن عباس وعوف الأعرابي "مسلمين" على الجمع (?).

وقرأ عون بن أبي جميلة: {مُسْلِمِينَ}، بكسر الميم على الجمع (?).

قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128]، أي: " واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك" (?).

قال الصابوني: "أي واجعل من ذريتنا من يسلم وجهه لك ويخضع لعظمتك" (?).

قال أبو السعود: " واجعل بعضَ ذريتنا وإنما خصاهم بالدعاء لأنهم أحقُّ بالشفقة ولأنهم إذا صلَحوا صلَح الأتباع وإنما خَصّا به بعضَهم لمّا علما أن منهم ظلمةً وأن الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاقَ لكل على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله عزَّ وجلَّ فإن ذلك مما يُخلُّ بأمر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخَرِبَتِ الدنيا" (?).

قال الطبري: "فأتى بـ (من) التي للتبعيض؛ إذ "أنهما خصا بذلك بعض الذرية، لأن الله تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم قبل مسألته هذه، أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره. فخصا بالدعوة بعض ذريتهما" (?).

قال القرطبي: " يقال: إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم، فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة" (?).

قال ابن عطية: " والإسلام في هذا الموضع الإيمان والأعمال جميعا ... و {مِنْ} في قوله {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا}، للتبعيض، وخص من الذرية بعضا لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015