وقد اختلف في قوله تعالى {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا} [البقرة: 128]، على قولين (?):
أحدهما: أنه يعم العرب وغيرهم. وهذا قول الجمهور.
قال شيخنا ابن عثيمين: "والمراد بـ {ذريتنا} من تفرعوا منهما؛ فذرية الإنسان من تفرعوا منه" (?).
والثاني: وقد قيل: إنهما عنيا بذلك العرب. قاله السدي (?).
قال ابن عطية: "وهذا ضعيف، لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم" (?).
وكذلك ضعفه الطبري، قائلا: بأن "هذا قول يدل ظاهر الكتاب على خلافه، لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته، والمستجيبين لأمره. وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة، من الفريقين. فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقا من ولده بأعيانهم دون غيرهم" (?).
وردّ عليه الحافظ ابن كثير فقال: "وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب؛ ولهذا قال بعده: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} الآية، والمراد بذلك محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقد بعث فيهم كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، لقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]، وغير ذلك من الأدلة القاطعة" (?).
والراجح هو القول الأول، أي يعم العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل والله تعالى أعلم.
و(الأمة) في هذا الموضع، فإنه يعني بها "الجماعة من الناس، من قول الله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [سورة الأعراف: 159] " (?).
وهذه الأمة هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يصدق على أحد أنه من ذرية إبراهيم، وإسماعيل إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن اليهود، والنصارى ليسوا من بني إسماعيل؛ بل من بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
و{الأمَّةُ}، في اللغة تكون على وجوه (?):
أحدها: الدين والملة: ومنه قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] أي على دين وملة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: 92] (?).